-  “العلمانية” ثقافة مدنية تنويريّة قبل أن تكون شعارا متطرفا

الأربعاء, 19-سبتمبر-2018 - 13:52:27
مركز الإعلام التقدمي -





توطئة-:


بداية أزعم، بل وأؤكد، أنّي علماني بثقافتي وتفكيري وميولي وهواي حتى النهاية. لكن هذا لا يمنعني من التدقيق في طرح هذا المصطلح بتسرع وحماس مريبين، كشعار كبير وعريض في لحظة حرجة وجارحة كالتي تعيشها بعض بلدان مجتمعاتنا العربية حاليا، وبتجاوز لمقدماته وأسسه الأولى التي تحتاجها هذه المجتمعات في لحظتها المريرة حاليا.


وأفهم أن هذا التسرع والحماس قد يكونان، على الأغلب، ردّ فعل على المدّ الإسلاميّ المتشدّد والمتطرّف بتلاوين طوائفه ومذاهبه المتعددة في عالمنا العربيّ، الذي كان قد بدأ العودة بقوّة منذ سبعينات القرن العشرين في سياق الخيبات المجتمعية المتتالية طيلة عقود من الزمن، على صعيدين رئيسيين: فشل تنمويّ داخليّ. وهزائم عسكرية خارجية في الصراع مع الكيان الإسرائيليّ، خصوصا لأنظمة رفعت شعارات القومية العربية والتقدّم. ممّا جعل فكرة حداثية متقدّمة كفكرة “القومية العربية” تتراجع في أوساط الشارع العربي لصالح هذا المدّ الدينيّ المتشدّد الذي ترافقت صحوته “القروسطية” الجديدة هذه، مع انتصار التيار الديني “الخميني” في الثورة الإيرانية عام 1979. وصولا إلى الانفجارات المجتمعية الكبيرة التي بدأت عام 2011 وما زالت تتوالى فصولا مأساوية كارثية في العديد من البلدان العربية، وما نتج عنها من حروب داخلية أهلية طائفية، تئنّ من وطأتها العديد من مجتمعات بلداننا العربية، خصوصا تلك التي تحكمها أنظمة تدّعي العلمانية كغطاء لاستبدادها وطغيانها المسئولين الرئيسيين بشكل مباشر عن تفجّر هذه الحروب. لأنّ الاستبداد الطويل يجعل المجتمعات كخزّان كبير محكم الإغلاق، تتراكم وتنضغط وتتخمر في القاع منه كل أشكال العفن الآسن، وفي لحظة الانفجار يندفع بشكل بركاني هذا العفن المضغوط والمتراكم في القاع لدرجة تطغى حممه اللاهبة على الإرادات الأخرى العقلانية الواعية والمطالبة بالتغيير السلميّ المدنيّ الهادئ.


عواقب العلمانية كشعار متطرف-:


لذلك في ظلّ وسياق ما يحدث اليوم، نسمع من قبل بعض من يدّعون العلمانية بحماس، أو نقرأ لهم الكثير مما ينشرون من أراء وتعليقات ومقالات على صفحات ومنابر المواقع الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، ربّما كردّ فعل أنيّ على الحروب الأهلية الداخلية بتمظهراتها الطائفية من جهة، وعلى شعارات وممارسات تنظيمات الإسلام المتشدد والمتطرف من جهة ثانية، دعوات عديدة متسرعة تضج بالحماسة، تقول أن لا حلّ إلا بالعلمنة والعلمانية كحلّ فوريّ نهائيّ ووحيد.


دعوات تغفل أو تتغافل عن جوهر بنية مجتمعية هي على العموم، عشائرية – قبلية، متخلفة لم تقارب الحداثة التنويرية الحقيقية على مستوى التفكير الجمعي العام بعد. وإنّما على مستوى بعض النخب المثقفة فقط، لذلك فكلمة أو شعار العلمانية يثير الحساسية السلبية تجاهها، الإيمان التقويّ والشعور الدينيّ، الطاغيان لدى الأغلبية التي تشكّل عماد هذه البنية. كما أنه يذكّرها بطغيان أنظمة استخدمت هذا الشعار كغطاء لاستبدادها وطغيانها.


إلاّ إذا كان أصحاب هذه الدعوات والشعارات يضمرون، ولو على مستوى اللاوعي لديهم، أنّ الهدف من تبني العلمنة بشكل إرادويّ سلطويّ سريع وحاسم، هو تصفية حساب مع أكثرية طائفية محددة تعتبر حسب تقديراتهم، بمثابة بيئة حاضنة لتنظيمات الإسلام المتشدّد عموما.؟!. وفي حال كان هذا الافتراض صحيحا فإنّ تداعياته ستكون، على مستوى الوعي الجمعي لشعوبنا، هي الأخطر في سياق تصعيد الاحتقان الطائفي والمذهبي الجاري اليوم، مع نفور عامّ من العّلمانية وخطابها.

أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS