- ناصيف نصّار من فلسفة الوجود التاريخي إلى فلسفة المعنى

السبت, 05-مايو-2018 - 17:50:51
الإعلام التقدمي -

بقلم/ ريتا فرج


يحار القارئ حين يطوي الصفحة الأخيرة من كتاب الفيلسوف اللبناني ناصيف نصّار: “النور والمعنى: تأملات على ضفاف الأمل” (دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 2018، 399 صفحة)، من أين عليه أن يبدأ من جديد لإعادة فهم واستيعاب هذا “السفر”.

أسس نصّار في كتابه الجديد لـــ “فلسفة المعنى” معطوفة على “فلسفة الحضور” في مؤلفه الإبداعي “الذات والحضور: بحث في مبادئ الوجود التاريخي“، حيث نظر إلى الإنسان من زاوية “الكائن الذاتي“[1] عبر الماهية والهوية؛ أي أن الذات تنظر إلى ذاتها، وعياً وحضوراً وبناءً وتفاعلاً مع عوالمها الداخلية والعالم الأوسع المحيط بها “: فعلى هذا النحو تعيش الذات حال “الها – أنا- ذا بينها وبين نفسها”، مستكملة “الحضور إلى الآخر” كـــ “تجربة وجودية، مصاحبة لتجربة الحضور إلى الذات”. يذكرنا التنظير الفلسفي للذات/ الآخر عند صاحب “مُطارحات للعقل الملتزم” بأفكار الفيلسوفة الأميركية جوديث بتلر (Judith Butler) في كتابها “الذات تصف نفسها“[2] حيث ناقشت أسئلة عدة عن طبيعة تكوّن الذات، وعلاقة هذا التكوّن بالأخلاق من منظور فلسفة الأخلاق وبمفهوم المسؤولية وسياسات الاعتراف.

الغرض من مفهوم التّأمل

يثير عنوان الكتاب أسئلة عدة وهو يتضمن كلمات فلسفية مفتاحية: “النور“، “المعنى“، “تأملات“، “الأمل“، فما الذي يقصده نصّار بهذا التوهج النوراني، العقلي/ الفلسفي؟ يقول: ” وقد قصدت إلى أن يكون عنوانه، متوشحاً بالنور، دالاً على أنه مدخل إيجابي إلى فلسفة المعنى، من موقع مطل على الجهات الأربع [الفرد، المجتمع، البشرية، والأفق الميتافيزيقي]. واستعدت لهذا الغرض مفهوم التأمل، مع علمي بما يلقاه من تحفظ في بعض الدوائر الفلسفية، لأنني مقتنع بأنه يتسع لكل العمليات العقلية التي يستخدمها التفكير الفلسفي، وأراه متوافقاً مع شروط المكان الذي يتم فيه، أعني “ضفاف الأمل“. ولماذا “ضفاف الأمل”؟ لأن تناول مسألة المعنى في هذا الكتاب يأتي استكمالاً لفلسفة الوجود التاريخي التي طرحتها في كتاب “الذات والحضور”، والفصل الأخير منه يدور على مسألة الأمل. وهل ثمة معنى لحياة الإنسان لولا الأمل؟ ولكن علاقة الأمل بالمعنى ليست علاقة شرط وحسب. فالأمل يتقوّى، ويتمكن، ويتجدد، ويغذّي الحياة بقدر ما يمتلئ من المعنى. ولذلك وجب الاعتناء بفلسفة المعنى من داخل مقتضيات الوجود التاريخي، بلا تردد في توظيف مفهوم التأمل توظيفاً جديداً”. (النور والمعنى، ص 5-6).

عمل صاحب “الفكر الواقعي عند ابن خلدون” على أربعة تأملات: التأمل الأول: الفرد ومسألة المعنى، التأمل الثاني: المجتمع ومسألة المعنى، التأمل الثالث: البشرية ومسألة المعنى، التأمل الرابع: المعنى والأفق الميتافيزيقي. يمكن القول إن النص على امتداد صفحاته شكل بنياناً متراصاً تميز بدقة التعبير والتوظيف وبلغة مفتوحة على المعاني: لغة أصيلة/ حديثة.

استخدم نصّار في فلسفته مناهج عدة: الجدلية والاستكشاف والفينومينولوجيا والتأويل والتحليل التشخيصي، والنظر الكياني، والنظر الإبستيمولوجي. في هذا السياق يرى الأكاديمي والباحث المغربي محمد المصباحي “أن البحث عن الماهية هو الذي حدد اتجاه” بوصلته الفلسفية، لكن عبر معاينة الواقع سواء كان لغوياً أم وجودياً. وتعدد مقارباته جعلت ممارسته الفلسفة تجمع بين الهدم والتشييد، بين انتقاد الأفكار وتوليدها وتحليلها وبعث الروح فيها والربط بينها والبرهنة على خلاصاتها”.[3] لقد ظهرت منهجية نقد الأفكار وتوليدها وتحليلها في كتاب “النور والمعنى” عندما ناقش نصّار أفكار عدد من الفلاسفة وعلماء الاجتماع من بينهم: كارل بوبر (Karl Popper)، فريدريش هيغل (Friedrich Hegel)، مارتن هايدغر(Martin Heidegger)، زيغمونت باومان (Zygmunt Bauman)، فريدريك نيتشه (Friedrich Nietzsche )، ريتشارد تايلور(Richard Taylor ).

أنا أحيا… الوجود بالمعيّة

يدرس نصّار مسألة المعنى في حياة الإنسان ضمن الجدل الفلسفي، محللِّاً مراتبها ومبادئها، فيتنقل بنا من تحليل “أنا أحيا” كعالم ذاتي/ جواني إلى الميتافيزيقيا والمعنى. فكيف قرأ “أنا أحيا”؟: “من الحكمة أن نقرأ أنا أحيا بتركيز الانتباه على عنصريها، أولاً على “أنا”، وثانياً، على “أحيا”، من دون خروج عن وحدة الدلالة المقصودة بهما معاً. فماذا تعطينا القراءة الأولى؟ إنها تتيح لنا أن ندرك في “أنا أحيا” حقيقة أولى، وهي أن الحياة تتخذ شكل “أنا”. ثمة حياة منتشرة في كائنات كثيرة متنوعة، وها هي في حالة خاصة، حالة الكائن البشري، تتخذ شكل “أنا”. “أنا أحيا”، هذا يعني أن الحياة حامل لأنا ومحمول على “أنا، لا بمعنى مطلق، بحيث تكون الحياة كلها أنا أو تكون أنا الحياة كلها، بل بمعنى وجودي خاص يتقرر بموجبه أن الحياة في الكائن البشري تظهر في شكل “أنا” وتدرك نفسها بوصفها “أنا”، وتعبر عن نفسها بوصفها “أنا”، وتتحرك بوصفها “أنا”. (ص 22). يركز نصّار في تنظيره الفلسفي حول “أنا أحيا” على “الوجود بالمعيّة” انطلاقاً من معنى العيش مع الآخر لفهم الذات المتكونة/ المتكورة. تأتي “فلسفة المعيّة” هنا رداً على بعض وجهات النظر الغربية التي تعلي من الفردانية والأنانوية على حساب الكائن البشري/ العاقل والفردي والمتشكل مع الجماعة، الذي يبني عبرها وعبر مسالكه العقلية والذاتية، هويته، كالمرآة المنعكسة في “الأناوات” والعاكسة لها. إن حقيقة “أنا أحيا” عند فيلسوفنا جزء من حقيقة أوسع تقول: “نحن نحيا معاً“، وهنا يخلص إلى أن ” كل شخص بشري يحيا كأنا ولكنه لا يحيا على هذا النحو إلاّ مع أنوات أخرى، أياً كانت المسافة أو العلاقة، بينه وبينها. وبالطبع، فإن من حق كل شخص بشري أن يعطي تشكل الحياة كأنا أقصى إمكانات التحقق العيني. ولكن ليس في وسعه أن يلغي المنطق التعددي والعلائقي لهذا الشكل، بما فيه من تواصل وتشارك وتبادل” (ص 23).

يرتكز الإنسان على الكفاح من أجل النمو والتقدم. لقد حدد صاحب “الإشارات والمسالك من إيوان ابن رشد إلى رحاب العلمانية” ثلاث طرق لاكتساب المعنى في حياتنا العملية والفكرية والكيانية: الجهاد المتواصل، الانتظام الوظائفي، الانبساط الكياني الذي يُعبر عنه بفرح العطاء؛ فمن خلاله يحصد “الإنسان الكادح/ السعيد بذاته” انشراحه وسعادته مع الآخرين.

المجتمع المجرد و”التّفردن”

بعد أن تمحور التأمل الأول على أصالة الاختبار الشخصي لمعنى الحياة ومبادئه العامة، انتقل نصّار من الفرد إلى المجتمع في التأمل الثاني. يعرض لمصطلح “المجتمع المنفتح” الذي صاغه الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون (Henri Bergson) ومن بعده كارل بوبر في ثلاثينيات القرن الماضي. إن التنظير الفلسفي الذي يعتمد عليه هنا يتأسس على الاهتمام بالمعنى ضمن المجتمع المنفتح (أي المجتمع الديمقراطي الذي عرف أقوى أشكاله القديمة في أثينا، في القرن الخامس قبل الميلاد، والتزمت الحضارة الغربية الليبرالية تطوير أشكاله الحديثة)، مناقشاً خلاصات بوبر في كتابه “المجتمع المنفتح وأعداؤه“، ومنتقداً التصور الفرداني للمجتمع المنفتح الذي يعزل الإنسان ويبعده عن الشعور بذاته مع الجماعة. وفي هذا السياق يرى نصّار أنه: “إذا كان انفتاح المجتمع متوقفاً على مدى اعتماد من يؤلفونه على الحرية والتفكير العقلي في شؤون حياتهم، فإن المجتمع المنفتح لا يمكنه أن يكون إلا ذلك المجتمع الذي تخترق وجود أفراده ووجود جماعاته الحرية العاقلة، متفاعلة مع منظومة الروابط المكوّنة له والمصالح المتولدة بمقتضى الحياة المشتركة فيه” ( ص 86).

تعاني المجتمعات المنفتحة في الغرب من مشكلة “الفردانية المتطرفة” التي أدت إلى تفكك العديد من شبكات التواصل بين الأفراد والجماعات، فعلى أهمية الديمقراطية والحرية والفضاء الخاص للأفراد، لكن “الفردانية” بأشكالها القصوى تنتج الأنانية ما يؤدي إلى انهيار منظومة القيم المجتمعية المشتركة، والتي لا بد لها أن تستضيء في ظلال “الحرية المسؤولة والعاقلة”، بعيداً من المبالغة في “عزل الذات” بما تنتجه من أعطاب وتآكل غير مرئي للأسس المجتمع المنفتح والحر نتيجة طغيان الفردانية.

شدد نصّار على المخاطر الكامنة في جدلية الديمقراطية والفردانية التي يختص بها المجتمع المنفتح، معتبراً أنه “كلما جرى التركيز على الديمقراطية وحدها، دفاعاً عن المجتمع المنفتح، كلما خسر هذا الأخير من أسباب وحدته وقوته ومنعته، وافسح في المجال لطغيان الفردانية الأنانية وعواقبها المشؤومة” (ص 102). ويلفت نصّار إلى أن بوبر ألمح إلى هذا الإمكان “بل وأشار إلى ظواهر متحققة منه في المجتمع الحديث، فقال، في الفصل العاشر من “المجتمع المنفتح وأعداؤه”، إن المجتمع المنفتح معرض، بفعل فقدان الطابع العضوي، للسير تدريجياً نحو ما يمكن تسميته “المجتمع المجرد“، أي إنه معرض للتوقف على أن يكون “تجمعاً حقيقياً لأفراد“. ففي المجتمع المجرد، الناس يتلاقون، ولا يتعارفون. يتعاملون في ما بينهم بواسطة البطاقات والأرقام والوسائل الآلية المختلفة، وقلما يقيمون علاقات تواصل وتفاهم وتعاون مباشرة، حميمة، حسية وحارة” (ص 102-103).

إن هذه النتيجة تمدنا بدورها بقضايا حيوية على المستويين الفردي والمجتمعي، فبعض المجتمعات الغربية التي دخلت مرحلة “المجتمع المجرد” تعاني من مشكلة التجاور لا التعايش، بمعنى أن الناس يتجاورون ولا يتعايشون، وتغيب عنهم القيم العضوية والتضامنية والتراحمية، وهذا إلى حد كبير ينطبق على الأفراد وينعكس في علاقتهم مع الآخرين في العمل والعلاقات الاجتماعية والحب[4] أي في المجالين العام والخاص، ما يؤدي إلى تنامي الشعور بالاستلاب الفردي والغربة الداخلية والانكماش على الذات بدل التواصل والتراحم والتضامن، كون الإنسان قبل أن يكون كائناً فردياً مع ذاته، هو كائن اجتماعي يحيا مع الآخرين. لقد حذر عالم الاجتماع البريطاني زيغمونت باومان من أن المجتمع الذي كان بوبر يدافع عنه ضد التوتاليتارية أخذ يتحول إلى “مجتمع سائل“: “المجتمع المجرد بحسب بوبر، يباعد بين الأفراد ويُضعف الحياة المشتركة في ما بينهم. أما المجتمع السائل، بحسب باومان، فإن يضع الأفراد في حالة دائمة من التغيير وعدم الاستقرار، فيباعد بينهم وبين أنفسهم، ويجعل الحياة المشتركة في ما بينهم سريعة التغير، والأوضاع الشخصية هشة وقصيرة الأمد في معظم الأحيان”. (ص 104).

مقابل “الفردانية المتطرفة” يجترح صاحب “باب الحرية” مفهوم “التفردن”، فماذا يعني به؟ “الفتردن البشري عملية تجري في التاريخ الاجتماعي للإنسان بفعل الشعور بالهوية الخاصة للفرد والحرص على خصوصيته وإرادة التميز عن الآخرين. إنه مسار مفتوح، ولكن ليس على خط مستقيم ووتيرة واحدة، مسار متعرج متشعب متدرج، متباطئ حيناً ومتسارع حيناً آخر، ومحوره العام إنما هو استقلالية الفرد بالنسبة للآخرين الذين يعيش معهم ولا يمكنه إلاّ أن يعيش معهم. ولذلك ينبغي الوعي جيداً بأن التفردن ليس عملية مفتوحة على اللامحدود. أصالة الفرد البشري ليست مطلقة. وهذا لا ينفي فرادته. الفرد الفريد يبني هويته وفرادته وهو محكوم بالوجود بالمعية. فالقضية إذن هي قضية تحقيق استقلاليته على القاعدة الجدلية التفاعلية الحاكمة لوجوده مع الآخرين، وليس على قاعدة المبدأ الفرداني المطلق” ( ص 106-107).

الوعي الجماعي والجمعانيّة

يعالج نصّار “شروط الاختبار الجماعي لمعنى الحياة” متابعاً تنظيره الفلسفي ضمن مقولة الكشف عن “حقيقة الفرد وهو يستبطن المجتمع، وحقيقة المجتمع وهو يشكل وحدة متميزة عن تعدد أفراده” (ص 112). يستحضر فلسفة تشارلز تايلور الذي أوْلى أهمية لمشكلة الفردانية[5] في الحداثة الغربية، وظهر ذلك في كتابيه “منابع الذات” و” قلق الحداثة“. اعتبر تايلور أن جملة الأسباب لقلق المجتمعات الغربية المعاصرة، ترجع إلى سببين رئيسين، ينتج منهما سبب ثالث على الصعيد السياسي، وهما سيطرة الفردانية وسيطرة العقلانية والوسائلية. الأول يتحكم في بنية المجتمع الغربي المعاصر واتجاهه العام، والثاني يتحكم في ثقافته المعرفية الإجرائية. وكلاهما يتساندان، على أن الأول يلعب دور المحدِّد والمحرك للعملية الاجتماعية كلها. (ص 115). ورداً على الفردانية “المفرطة” التي تستند إلى “المركزية الأنوية أو النرجسية أو الذاتوية أو النسبوية” بما تنتجه على مستوى حياة الأفراد من قلق وجودي واختناق روحي، يقترح تايلور ثلاثة جسور خلاص: الديالوجيكية[6]، أي التواصل اللغوي والتحاور المفتوح بين الأنوات، والأفق المعنوي، أي التفسير اللازم لإعطاء اختيار الفرد معنى يرضيه (ص 116)؛ والحاجة إلى الاعتراف، وقد ناقش نصار الحجة الأخيرة ضمن تنظيره الفلسفي حول الانتماء وثنائية الفردانية والجمعانية.

اعتمد نصّار في نقاشه لنصوص بعض الفلاسفة وعلماء الاجتماع على منهجية الجدال والنقد وإعادة البناء، وهذه الخاصية المنهجية تساعد القارئ على فهم أعمق للفكر الفلسفي والنظريات السوسيولوجية، خصوصاً أنها استُكمِلت بمقولات جديدة في مجال “الوعي الجماعي والوعي الفردي”. يقول: ” والحق أن الوعي الجماعي لا يتمتع بقدرة على سحق الوعي الفردي سحقاً كاملاً، مهما بلغ من القوة والضغط والإكراه. وكلما اشتد عامل الحرية الفردية، كلما تبين أن الوعي الجماعي يتخذ شكلين لا بد من التمييز بينهما، وهما شكل الوعي العمومي، وشكل الوعي المشترك (ص 128).

يحدد صاحب “مقالة في الوجود” خمس قواعد عامة تحكم سياسة المعنى في الدولة الوطنية: القاعدة الأولى: التمييز بين مستويات اختبار المعنى؛ القاعدة الثانية: العمل في سبيل تحقيق معنى الدولة الوطنية المنفتحة ومقتضياته؛ القاعدة الثالثة: توطيد معنى المواطنية المسؤولة والسعي المتواصل إلى التوفيق بين مقتضيات أركانها الثلاثة: الوطنية والحرية والمساواة؛ القاعدة الرابعة: الاعتراف لكل جماعة ثقافية داخل المجتمع الوطني الليبرالي بالحق في العمل لتحقيق معنى حياتها الخاصة؛ القاعدة الخامسة: حماية الاختبارات الجماعية لمعنى الحياة من الانحراف والقهر والاضطهاد.

في التأمل الثالث “البشرية ومسألة المعنى” يضعنا نصّار أمام الأسئلة التالية: ماذا تعني البشرية، وكيف تواجه مسألة المعنى في هذا العصر؟ ما هي العوامل الرئيسة التي تحمل البشرية على البحث عن معنى لحياتها؟ هل المعنى المنشود لتاريخ البشرية كامن بكليته في طبيعتها؟ كيف يمكن توظيف هذه أو تلك من الرؤى المتكونة قبل الطور الراهن من تاريخ البشرية حول معنى الحياة والتاريخ في البحث المستجد عن البشرية ومعنى التاريخ؟ مع تشديده على ضرورة وحدة البشرية يرى نصار أن ثمة ظاهرتين “تشتغلان معاً لتوليد وحدة البشرية: روابط الحضارة المادية؛ والوعي الأنتروبولوجي المشترك، وهما تفرضان إرادة تحقيق الإنسان التي اضطلعت بها “الحركة الإنسانوية“، التي حاجَّ نصار أبرز أفكارها، شارحاً ومعلقاً على نص “رسالة في الإنسانوية” لفيلسوف الألماني هايدغر.

الإنسان الكامل و”التّأنسن الحضاري”

يقترح نصّار مفهوم “الإنسان الكامل” مقابل “الإنسان الأعلى” (المتفوق) الذي بناه نيتشه. الإنسان الكامل عنده: هو الإنسان الذي تفتحت قدراته الاختراقية/ التجاوزية، في انشداده إلى القيم الكونية العليا، تفتحاً تاماً ومتناسقاً، فنال من الخير الأقصى المتناسب مع تلك القدرات” (ص 282). يأتي ذلك في إطار الرد على التعظيم المفرط للتفوق المرتبط بمنظومة العلوم والصناعة والتكنولوجيا، والتي وجدت جذورها في فلسفة القوة عند نيتشه.

يبحث نصّار في الصلات بين المعنى والميتافيزيقا تحت ثلاثة عناوين: خصائص الأفق الميتافيزيقي، الأفق الميتافيزيقي والعدم، والأفق الميتافيزيقي والمطلق. في التأمل الأخير ينتقل صاحب “طريق الاستقلال الفلسفي” إلى المستوى الأعلى في أفكاره بعد أن انطلق من “الكائن الذاتي” والكائن بالمعيّة، مستقراً عند الكائن الكامل الموجود في الكون.

وفي تنظيره الفلسفي حول فلسفة المعنى في النسق الميتافيزيقي يجترح مصطلح “التأنسن الحضاري” المتأسس على مرجعية القيم الكونية العليا، على الرغم من التحديات الكثيرة على المستويات الإنسانية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، لا سيما إذا تم ربط هذا “التأنسن الحضاري” بمنظور العلاقات الدولية والعدل والقانون الدوليين وتاريخ الصراعات وانتكاسة الحداثة الغربية وانفجار العنف والإرهاب في الشرق الأوسط وتصاعد اليمين المتطرف في عدد من الدول الأوروبية وتراجع الهم السياسي العام على المستوى الدولي في موازاة لا مبالاة دولية بالصراعات الجارية في العالم.

يكتب نصّار: “لقد أنتج تاريخ أوروبا، بعد الحرب العالمية الثانية، صيغة للتأنسن شعارها العام: لا للحرب، نعم للاتحاد وحقوق الإنسان، وقد سعى من خلال مستلزمات هذا الشعار، على الرغم من بعض عوارض التراخي والانحطاط، إلى ضبط روح الجبروت التي تحركه منذ عصر النهضة تحت مظلة روح الحكمة التي أنشأها من روافده اليونانية والرومانية والمسيحية والأنوارية. ولكن، لو تذكرنا النازية في ألمانيا والعنصرية في أفريقيا الجنوبية، على سبيل المثال، ولو التفتنا اليوم إلى طوفان التعصب والعنف والإرهاب والتوحش والتنكيل بالحجر والبشر، الذي يجتاح منطقة الشرق الأوسط، مع انتباه نافذ إلى ما ينطوي عليه من نفاق وخداع وانتهازية، فإننا ندرك مصدومين كيف أن التأنسن الحضاري يتدهور ويتقهقر بصورة مرعبة. بالتالي، بكثير من التفهم، عند مذاهب الواقعية السوداوية التي تصرف الجهد كله لإظهار الفظائع التي تملأ تاريخ الصراعات العنيفة بين الجماعات البشرية، بدافع روح الجبروت أو بدوافع الطمع الحق والكراهية والحسد وحب الانتقام. إلاّ أننا، مع ذلك، لا نرى أنفسنا مضطرين إلى اليأس. فالتاريخ المليء بالفظائع، هو نفسه حافل بالروائع، في حقول الفن والعلم والعمارة والقيادة والفلسفة والتشريع والمؤسسات الاحسانية الشريفة. وهي تشهد على عمق النزوع البشري إلى تحقيق إنسانية الإنسان بتوسط القيم الكونية العليا” (ص 396-397).

أسس ناصيف نصّار عبر “أناه المفكرة والعالِمة والمتأملة” لــ “فلسفة المعنى” بعد “فلسفة الوجود التاريخي“، وهو عن حق “الفيلسوف الحقيقي” كما يصفه المصباحي، “لأنه مؤمن بالفلسفة، ولكونه أصر، وبعناد كبير، على تجديد القول الفلسفي العربي على مستوى الإشكالية واللغة والمنهج، ولأنه أبَى إلاّ أن يوجه خطابه إلى الإنسانية بعامةٍ، بأن يضفي عليه مضموناً كونياً غير منحاز لملة دون أخرى، ولأنه كان يفكر من داخل اللغة العربية، فتأتي فلسفته سلسة غنية ملونة بدون صنعة ولا تقعر، ولأنه نجح في خلق لغة خاصة به للتعبير عن دقائق أفكاره ومنعرجات مسائله”.[7]

انطلق “النور والمعنى: تأملات على ضفاف الأمل” من الخاص إلى العام، مقدماً تصوراً فلسفياً متدرجاً من الذات إلى القيم الكونية، وكاشفاً عن معنى المعنى. لا ريب أننا أمام عمل مستقبلي يحتاج إلى قراءات ونقاشات وتعقيبات عدة من الفلاسفة والعلماء. فقد طرح مسائل فلسفية معقدة ومتداخلة مرتبطة بكينونة الإنسان وهمومه الوجودية والمجتمعية والأخلاقية والقيمية والسياسية والكونية، في عالم يزداد اضطراباً وغموضاً في مساره التاريخي، بفعل وطأة العولمة، وانفتاح الحدود وانغلاقها في آن، والتبدل الهائل في العلاقات البشرية.

********

[1] قدم نصّار مصطلح “الكائن الذاتي” في كتابه “الذات الحضور” ويتحدث في كتابه “النور المعنى” عن الإنسان بوصفه “كائن في العالم” وهو “كائن مهموم” أي كائن يسكنه الهم في يومياته ويدفعه دوماً إلى خارج ذاته، وهو كائن متناه، أي كائن نحو الموت، وخلفية هذا كله أنه كائن زمني، محكوم بالتزمّن والاشتراط التاريخي“. راجع: النور والمعنى، ص 235.

[2] راجع: بتلر، جوديث، الذات تصف نفسها، ترجمة وتقديم: فلاح رحيم، دار التنوير، بيروت، 2014.

[3] انظر: المصباحي، محمد، قراءة في كتاب “الذات والحضور”، في: ناصيف نصّار من الاستقلال الفلسفي إلى فلسفة الحضور، مجموعة باحثين، تحرير وتقديم: عبد الإله بلقزيز، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك الدار البيضاء، جامعة الحسن الثاني، الطبعة الأولى، 2014، ص 105.

[4] راجع: باومان، زيغمونت، الحب السائل، ترجمة: حجاج أبو جبر، تقديم: هبة رءوف عزت، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2016. يشار إلى أن بومان أصدر سلسلة “مجموعة السوائل” من كتبه: “الحداثة السائلة”، “الحياة السائلة”، ” الشر السائل”. وقد يكون من المفيد لعلماء الاجتماع الاهتمام بظواهر الجديدة التي تنتجها “المدن السائلة” المعولمة في سبيل الكشف عن هشاشة العلاقات البشرية في المدن الجديدة/ الرقمية.

[5] في موازاة مطالعته حول “مشكلة الفردانية” في الحداثة الغربية ينتقد تشارلز تايلور العلمانية الصلبة في الغرب، وقد سبق له أن نشر مقالة مطولة تحت عنوان “لماذا نحتاج إلى تعريف جذري للعلمانية؟” _ هي في الأساس جزء من المحاضرات والنقاشات التي طُرحت في حدث أكاديمي بارز عام 2009 في الولايات المتحدة؛ شارك فيها: الألماني يورغن هابرماس (1929) والأميركية منظرّة الجندر جوديث بتلر (1956) والأميركي كورنيل ويست (1953)- قدم فيها رؤية طليعية للعلمانية كمفهوم دينامي غير سكوني. ورأى أن الأنظمة التي تستحق صفة علمانية لا بد أن تُدرس ليس بوصفها متاريس ضد الدين، ولكن بوصفها تلك التي تستجيب على نحو مبدئي إلى التنوع الداخلي الذي لا مردّ له للمجتمعات الحديثة، وهو الذي ينمو باطراد. وإذ يطرح صاحب “هيغل والمجتمع الحديث”( Hegel and Modern Society) الغاية من حيادية الدولة تجاه ما هو ديني وغير ديني، يعتبر “أن الديمقراطية المتنوعة بحق لا تستطيع أن ترتدّ إلى دين مدني، أو إلى معاداة الدين، مهما بدا ذلك أمراً مريحاً، دون أن تخون مبادئها نفسها. نحن محكومون بالعيش في ظل إجماع متداخل“.

[6] عرب نصّار مصطلح الديالوجيكية على شكل لفظة الديالكتيكية، حيث لا توفر اللغة العربية معناه المتشابك. تعني الديالوجيكية – كما يشرحها – في نص تايلور التواصل والتخاطب والتحاور والتبادل بين الأنوات. ومقابل هذا المصطلح يقدم نصار ما يسميه “الوجود بالمعية” الذي يؤسس لكل أنواع العلاقات والتفاعل بين الناس.

[7] المصباحي، محمد، قراءة في كتاب “الذات والحضور، مرجع سابق، ص 101-102-103.


** المصدر صحيفة الأوان الإلكترونية
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS