- “ماديسون”.. جسر نحو “الحب المستحيل”

الأربعاء, 14-يونيو-2017 - 07:50:53
الإعلام التقدمي -


“كلينت إستوود” ممثل اشتهر في أفلام “رعاة البقر” التي أبدعها المخرج الإيطالي “سيرجيو ليوني”، أفلام جميلة بإخراجها وقصصها وجمالية الصورة فيها وروعة موسيقاها،لكنها،مع ذلك،يلعب فيها العنف دورا رئيسيا.واشتهر أيضا في سلسلة أفلام “هاري القذر” الشرطي الذي يحمل مسدسا ضخما ويطارد المجرمين في الشوارع.وهكذا أصبح “العنف” لصيق بهذا الممثل ذي البنية القوية والملامح الحاسمة.لكن “كلينت إستوود” المخرج مختلف تماما عن الممثل،أخرج أفلاما لا يلعب فيها العنف دورا أساسيا،وأحيانا أفلاما ناعمة لا أثر فيها للعنف تماما.من هذه الأفلام الناعمة،فيلم رائع يحمل عنوان “جسور بلدة ماديسون”،أخرجه سنة 1995.تدور أحداث الفيلم بين “روبرت كينكيد”( كلينت إستوود)،وهو مصور محترف يعمل لصالح مجلة “ناسيونال جيوغرافي”،و”فرانشيسكا جونسون” (ميريل ستريب)،وهي ربة بيت وأم لولدين،تعيش حياة عادية بمزرعة زوجها “ريتشارد” الذي ورثها عن والديه،وهي مزرعة توارثتها العائلة منذ مئات السنين.

    شاءت الصدف أن تبقى “فرانتشيسكا”،مدة أربعة أيام فقط،وحيدة في البيت،بعد أن ذهب زوجها وولداها للمشاركة في مهرجان موسمي.وشاءت الصدف،أيضا،أن يقف على باب منزلها في المزرعة “روبرت” بسيارته،يسألها عن “جسر روزمان” وهو جسر قديم مغطى يريد تصويره،بعد أن ضل الطريق.تحاول “فرانتشيسكا” إرشاده من مكانها،لكنها تفشل في ذلك،فتقرر مرافقته إلى حيث يوجد الجسر،يبعد الجسر عن منزلها بحوالي ثلاثة كيلومترات،خلال هذه الرحلة القصيرة جدا،ستتعرف على حياة رجل مطلق لا يكف عن التنقل والرحيل في أنحاء العالم،ومما أثار دهشتها أنه يعرف البلدة الصغيرة الإيطالية التي ولدت فيها،بعدما أخبرته،في إجابة عن سؤاله،أنها ولدت في إيطاليا ورحلت إلى أمريكا منذ زمن بعيد.تحت تأثير الإثارة والإعجاب بهذا الرجل الغريب،دعته،بعد العودة، إلى العشاء سويا في منزلها،متعللة بأن ذلك أفضل لهما الاثنين من أن يتعشي كل منهما وحيداً،إضافة إلى أن بلدة “ماديسون” ليس فيها ما يرضيه. قبل “روبرت” الدعوة،وخلال العشاء تعرفت عليه أكثر،وعرفت أن سبب طلاقه هو رحيله المستمر،ومن خلال حكاياته المتعددة،وجدت نفسها أمام رجل جاب كل بقاع العالم بما فيها أدغال وغابات حيث قام بالتقاط صور عن الحياة البرية،

وعن المشاعر التي انطبعت فيه خلال هذه الرحلات المتعددة الشديدة التنوع والثراء.كان قد أخبرها،خلال الذهاب إلى الجسر،أن سبب زيارته لبلدتها الأصلية في إيطاليا هو إعجابه بمناظرها وهو عابر في القطار،ونزل لكي يقضي بها أياما.تعجبت هي كيف يقطع رجل رحلته لمجرد الإعجاب بمناظر بلدة ما.وخلال العشاء سرد لها تفاصيل عن بلدتها.سألته عن القلق وعدم الاستقرار والتعب من الرحيل المستمر،أكد لها أنه لا يشعر بأي قلق ولا تعب وأنه سعيد برحلاته واستكشافه للعالم،وتعرفه،كل مرة،على ناس جدد،وأنه لا يشعر بأي وحدة،وقد ألف الرحيل والتنقل.بعد العشاء،ذهب “روبرت”،لكنها شعرت باشتعال الرغبة في جسدها،وأحست باستيقاظ “مارد” الإغراء والغواية داخلها،وانجذاب شديد لا يقاوم نحو “روبرت”،فذهبت بسيارتها في نفس الليلة إلى الجسر المغطى،لتترك له هناك رسالة دعته فيها إلى العشاء ثانية مع أبيات شعر،اتصل بها في اليوم التالي،بعد أن وجد الرسالة،اتفقا على اللقاء عند جسر آخر،لكنه عند تجوله ب”ماديسون”،اكتشف “قصة” امرأة نبذتها البلدة وسحبت منها اعتبارها الاجتماعي بسبب إقامتها علاقة خارج “عش” الزوجية.عرف أن البلدة صغيرة مغلقة وتعرف كل صغيرة وكبيرة عن سكانها،وأنها ب
لدة محافظة جدا.

اتصل بـ”فرانتشيسكا” ليثنيها عن اللقاء به،وأخبرها عن قصة تلك المرأة التي تعرفها هي أيضا،وتتخذ منها نفس الموقف.وأخبرها أنه لا يريد لها أي سوء يلحقها.لكنها أصرت على أن يتم اللقاء،التقيا وذهبا بعيدا عن البلدة وعن الأعين المتلصصة،واشتعلت بينهما علاقة حب جارف،وفي ذروة هذا الحب الملتهب،انتابها،في لحظة،غضب شديد،بعد أن استبدت بها مخاوف من أن تكون،وهي التي تحبه،مجرد حلقة روتينية من سلسلة حلقات رحلاته المتعددة، ومجرد حكاية من حكاياته.لكنه أقنعها بكلمات قليلة حازمة أنها “اليقين” الوحيد الذي غمره في حياته بطولها. وصل بهما التعلق ببعضهما البعض حد الرغبة في الرحيل معا وإلى الأبد.لكنها تراجعت في اليوم الأخير،متشبتة بأسرتها وزوجها الذي لم تر منه أي أذى.رحل “روبرت”.عاد الزوج والأولاد.بدأت تستعيد حياتها السابقة،محاولة أن تمحو هذه التجربة المثيرة من الروح والذاكرة.ظنت أنه رحل وإلى الأبد،لكنها بعد أيام قليلة،ذهبت إلى البلدة،وكان يوما ممطرا،والوقت مساء،خرجت من متجر،جلست في السيارة،تنتظر قدوم زوجها،رأته ليس بعيدا عنها،مبللا تحت المطر قرب سيارته ينظر إليها بحسرة،كان لا يزال في البلدة،يرغب أن ترحل معه.برعت الممثلة “مير
يل ستريب”

في التعبير عن مشاعرها المتناقضة،وخاصة في هذه اللحظة الأخيرة،حينما أمسكت بمقبض الباب مترددة بين الرحيل والبقاء،ممزقة بين حبين،مشهد زاده المطر درامية وعمقا.أخيرا،رحل “روبرت” نهائيا،عادت هي إلى حياتها الأسرية ،وأصبحت التجربة مجرد ذكرى.مرت الأعوام،تقدمت كثيرا في السن.مات زوجها،وعاد بها الحنين إلى “روبرت”،لكنها لم تتمكن من لقائه،لأنها علمت أنه لم يعد يعمل لدى”ناسيونال جيوغرافي”.لكن،ذات يوم،كانت المفاجأة،لقد حمل لها البريد علبة كبيرة،فتحتها،وعرفت أن “روبرت” قد مات،لكنه لم ينساها أبداً،لقد أرسل لها كل متعلقاته بما فيها قلادة كانت قد أهدته إياها،وكتيب صغير معنون ب”أربعة أيام” تلك التي قضياها معا،بل وجدت حتى نص تلك الدعوة للعشاء التي تركتها معلقة على الجسر.

    يشتغل الفيلم بأسلوب “الفلاش باك”،يبدأ بوصية تركتها “فرانتشيسكا” لولديها،توصيهما بدر رمادها على جسر “روزمان”،ورسالة تشير إلى قراءة مذكراتها الخاصة،لمعرفة سر ذلك،مشيرة إلى أنها كان يمكن أن تموت “تجربتها” معها،لكنها تريد أن يعرف ولديها أمهما كما هي بضعفها وقوتها،بسلبياتها وإيجابياتها،وأثناء قراءة المذكرات،يعود بنا الفيلم لنرى أحداث هذه التجربة المثيرة،يقرأ الولدان التجربة،وهما على خصام مع نصفهما الثاني،ابنها متخاصم مع زوجته،وابنتها ليست على ما يرام مع زوجها.وكما ذهبت أمهما،بعد تجربتها،حاملة “كعكة” لتصالح تلك المرأة المنبوذة من الجميع،عاد ولداها،بعد قراءة تجربتها،لمصالحة نصفهما الثاني،عادا بمحبة أكبر وقلب متسامح.تعتمد حركة الفيلم الزمن البطيء،يأخذ فيه الحوار مساحة مهمة،مع تركيز الكاميرا على لغة الجسد،وتعبيرات الوجه في كثير من الأحيان،والاشتغال على التفاصيل.ربما يخامر الكثيرين سؤالاً أساسيا حول السبب الذي جعل “ربة بيت” تتعلق برجل غريب عنها وعن البلدة ؟؟هل وراء تعلقها عبث غير مبرر؟أم وراءه أسباب عميقة ؟وما معنى حضور الجسور في الفيلم؟وما هي رمزية الجسر في السياق الدرامي للفيلم ؟؟

    علينا أن ننتبه أن هناك تناقضا عميقا بين الشرط الوجودي لـ”روبيرت”و”فرانتشيسكا”،فهو مواطن كوني،رحالة غير مستقر،ليس له ارتباطات عاطفية محددة،لا ينجذب لأي مكان محدد بسبب عدم وجود أي ارتباط أسري،وليس متعلقا بأي شخص محدد،عاطفته مفتوحة على كل الناس،له أصدقاء موزعون في كل بقاع العالم،يقيم علاقات عابرة ويمضي،يحب كل ما هو غريب غير مألوف،حياته متجددة غير روتينية مليئة بالحكايات والأسرار والغرابة،يعيش حياة ترقب دائم،وهي مواطنة محلية،ثابتة مستقرة،لها ارتباطات عاطفية محددة،منجذبة لمكان محدد بسبب ارتباطاتها الأسرية،متعلقة بزوجها وولديها،عاطفتها مغلقة ومحصورة في أشخاص محددين،ليس لها أصدقاء خارج المكان الذي تقطنه،علاقاتها ثابتة وليست عابرة،حياتها غارقة في المألوف والعادي،حياتها روتينية مألوفة لا جديد فيها ليس لها حكايات ولا أسرار،حياتها تكرار متواصل لا ترقب فيه.ربما كان هذا التناقض الحاد بينهما،هو ما جعل الواحد منهما ينجذب للآخر،جعل أحدهما يوقظ في الآخر الجانب الذي ينقصه،هو أيقظ فيها جانب الحرية والانطلاق بعيدا عن قيود وواجبات الأسرة،بعيدا عن كل ما هو محلي روتيني متكرر،وهي أيقظت فيه جانب الاستقرار والحنين لارتباطات حميمية

مستقرة غير عابرة ومؤقتة، بعيدا عن التلاشي في العالم،وعن حياة الترقب الدائم.وهكذا يبدو لقاءهما لقاء بين الغرابة والمألوف،بين الرحيل والاستقرار،بين الكوني والمحلي،بين الحرية والتقليد،بين التحرر والتقييد،بين العزلة والارتباط الأسري،بين عالم شاسع مفتوح يصعب فيه معرفة كل الناس وبلدة صغيرة مغلقة الكل فيها يحصي أنفاس الكل.في هذا السياق لا ينمو الحب بين الشبيهين،بل بين النقيضين،الشبيه تكرار للذات والنقيض إضافة غنية لها.جاء “روبيرت” إلى “ماديسون” ليلتقط صورا لجسورها العتيقة،ولم يخطر على باله أن “ماديسون” نفسها ستتحول إلى “جسر” يربط بين عالمين،عالمه هو،وعالم “ربة بيت” مغمورة لكنها مليئة بالحيوية والأحلام،لم يخطر على باله أن “ماديسون” ستصبح جسرا لـ”حب مستحيل”،سيكون سبب سعادته وشقائه فيما تبقى له من عمر.
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS