- أن أي شيء ينتهي ،ذلك يعني أنه يموت.. اليس كذلك؟

الاثنين, 23-يناير-2017 - 07:08:26
الإعلام التقدمي -

أن أي شيء ينتهي ،ذلك يعني أنه يموت.. اليس كذلك؟


“ارشيل غوركي”


أعاني كثيرا حينما افكر بالتعبير عن ذلك الشعور الخفي بيني وبين أمي، شعور لا يشبهه أي شعور آخر، عميق وغامض وموجع أيضا، شعور أن تمسح على رأسك وأنت ممدد في الشمس. لحظة أن تتبعها وقد سبقتك الى الحديقة. للأمومة رائحة طين وجذور رخوة ندية لشجرة مقلوعة، كم رافقك هذا الوجع يا (راشيل)، لم أتعرف اليك الا عن طريق صورتك، صورتك كانت غريبة وقادرة على الغوص في لحم عاطفتي مثل سكين حادة.


ولد ارشيل عام 1904، وهرب مع أمه وأخواته الثلات من مذبحة الأرمن على يد الدولة العثمانية، لم يكن اسمه أرشيل غوركي، فقد تستر بتغير اسم والده باسم يشبه نبلاء جورجيا، أو كما يعتقد تقرباً لاسم الكاتب الروسي مكسيم غوركي، لم يغير اسم امه. لا اتخيل تغيير وجه أمي مطلقاً. هرب من المجزرة الى أمريكا، ليغدو فناناً أمريكيا من أصل أرمني. أخذ معة اشياءه وذكرياته، أخذ صورة أمه وحضورها الكثيف.


حاملا زهرة بيده، زهرة هائمة بلا لون، وبلا مقصد. وبعينين وادعتين يقف بجانب أمه، بمعطف وحذاء، اًكل شيء فيه قليل بما يكفي لان يكون طفلاً. لا زوائد ولا تفصيل. بينما تجلس أمه بثوبها المزهّر، تلف شعرها بشال وتترك يديها سائبتين على فخذيها. عيناها سؤالان مبهمان. ومثل أي سيدة شرقية وصبيها يرسخ في الصورة حنانها بحضوره الكثيف.


arshil1لم اطلع على الصورة الفوتوغرافية الاصلية للعمل، فقد كانت مصادفة أن أبحث لتقترح لي شبكة المعلومات صورة أرشيل وأمه، حيث تولعت بمشاهدة هذه اللوحة دون معرفة تفاصيل انتاجها وأسبابها، كان عملاً خلاباً بالنسبة لي، عمل له القدرة على أن يكشف العلاقة المجرّدة بين الفتى وأمه، بساطة متناهية مثل بساطة الخبز وقيمته العميقة. شعور الأمومة شعور أولي خال من الفلسفة، مجرّد وحاضر مثل خفقة قلب، كما أن العمل ببساطة خاماته وتفصيلاته بلا تعقيد أيضا. لقد تجاهل أرشيل حديقة الزهور في ثوب أمه، أخفى أصابعها كذلك، جعل كلَّ شيء قليلاً مثل كلمة، وعميقاً مثلها أيضاً، وبألوان تدور حول دفء الاصفر وحميميته، الاصفر لون الألم، كلُّ شيء ملفوف بالرصاصي وعلاقاته. كلُّ شيء فصيح وحاضر، مثل نظرة أمومة ناصعة، لم أحب هذا العمل الآن وأنا بعيد عن أمي، بعيد عن نظرتها ورائحتها، أحببته منذ زمن طويل، هل رسم أرشيل صورته وأمه من أجل المشتاقين لأمهاتهم؟ من اجل قلوبهم العطشى لكلمة أم غامرة، أو لمسة يد متعبة، هل صوّرها من أجل الهاربين من المجازر، والموت، الذين تركوا أمهاتهم للعتمة؟ أستطيع أن أقول كل شي، وأنا أتامل لوحة أرشيل، كل ما وجدته صعباً لسنوات طويلة، حينما أفكر بالتعبير عن الشعور الخفي بيني وبين أمي، أنظر الى صورتك حاملاً زهرة بلا لون.


العمل المرفق للفنان الامريكي ارشيل غوركي(الفنان وامه)

أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS