-  “وبضده تتميز الاشياء”.إن هذه الجملة التي كنا ندرسها في بلاغة مادة اللغة العربية عبقرية إلى أقصى مدى.فتلك الجملة تعني أن الأشياء تتميز عن غيرها،وتظهر قيمتها حين يظهر نقيضها،ويتمدد بديلها.وبالمثل فإن العلمانية تتلألأ قيمتها حين نقارنها ببديلها،أوبعبارة أدق بنقيضها،ونقيض العلمانية هو الدوجماطيقية.

السبت, 16-إبريل-2016 - 07:52:04
الإعلام التقدمي- محمود خاطر -


 “وبضده تتميز الاشياء”.إن هذه الجملة التي كنا ندرسها في بلاغة مادة اللغة العربية عبقرية إلى أقصى مدى.فتلك الجملة تعني أن الأشياء تتميز عن غيرها،وتظهر قيمتها حين يظهر نقيضها،ويتمدد بديلها.وبالمثل فإن العلمانية تتلألأ قيمتها حين نقارنها ببديلها،أوبعبارة أدق بنقيضها،ونقيض العلمانية هو الدوجماطيقية.


والدوجماطيقية تعني الاعتقاد بامتلاك المطلق،أو بعبارة أخرى الاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة.وكما يظهر من تعريفها، فالدوجماطيقية تقوم على أعمدة خربة، يدب السوس في أوصالها ؛ لأن المطلق واحد. فالإنسان -كما في المدرسة الشكية- إما مالك للحقيقة المطلقة، وإما معدوم منها،أو باحث عنها.وفي كل هذه الحالات لا يحق لأي شخص أو طائفة أن تدعي بأنها تقبض بين ثنايا كفها على الحقيقة.فوجود طائفة تدعي بأنها هي فقط من تملك كل الحقائق المطلقة،وأن على الجميع الإنصياع لأوامرها،والاحتكام لشرائعها من شأنه أن يدخل العالم في دوامة لا تنتهي من الصراعات، والعنف. فلكل حجة حجة مضادة،كما قال سكستوس،فظهور طائفة تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة سيقابلها بلا أدنى شك طائفة مضادة بحجج مضادة تدعي الادعاء نفسه.


ولا يتوقف خطر الدوجماطيقية عن إغراق العالم في دوامة صراعات لاتنتهي،لكنها تشارك في تحجر الفكر الإنساني، وتقف في سبيل تطوره. فقديما أعدم سقراط حين رفض الدوجماطيقية،وأعلن بأن حكمته تقوم على علمه بجهله،وكُفر أبن رشد الذي أفتى بضرورة تأويل النص الديني،و جواز الخروج عن الإجماع، وحوكم جليليو بعدما صرح بدوران الأجرام السماوية في مخالفة للفهم الديني السائد أنذاك.


إن بشاعة بديل العلمانية يتجلى بوضوح حين نتأمل أطنان الدماء التي قدمت قرابين للفكر الدوجماطيقي المتحجر سواء في سوريا،أو في العراق،أو حتى في أوروبا عبر رسله الضاله،كما حدث في بلجيكا مؤخرا.فكل الأحداث من حولنا تجبرنا على الاعتقاد بحتمية العلمانية كبديل يقبل الأخر،ويرحب به على اختلافه.فالعلمانية -كما يعرفها الدكتور مراد وهبة -هي التفكير في كل ما هو نسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق.أي عدم الانغلاق على فكرة واحدة واعتمادها كحقيقة واحدة مطلقة. وبالتالي فعلمانية الدولة تعني الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأديان،وتبني قيم المواطنة كبديل عن قيم الطائفية.


والعلمانية ليست بديلاً للدين كما يحلو لبعض رجال الدين تصويرها، لكنها نظام حكم ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم.ومنهج فكري ينظم العلاقة بين المحكومين وبعضهم البعض.فهي لا تعادي الدين ولا تعمل على تمدده أو تقلصه،فدين الفرد لا يخص العلمانية،فما يخصها هو ألا يعتدي أحد على الأخر لسبب ديني.لكنها في الوقت نفسه ترفض وسم الدولة بدين ما ؛ لأن الدين للأفراد لا للدول وبالتالي فتشريعاتها تكون من منطلق المصلحة العامة لا من منطلق دين بعينه.لأنها تنظر لأفراد الشعب بعين المساواة التامة،بغض النظر عن معتقداتهم.


وعلى عكس ما يعتقده البعض،فإن العلمانية تحافظ على الأديان، لأنها تشدد على إبعاد الدين،وفصل مؤسساته، عن لعبة السياسية، أي أنها تحفظه في عليين -في قلوب متبعيه- حتى لا تستغله الديماجوجية السياسية فتلوثه.


إن ميزة العلمانية تكمن في كونها بمثابة الحد الفاصل الذي يفصل بين الدول المتقدمة التي تتربع على قمة الهرم الإنساني،وبين الدول الساقطة التي تُسحق كل يوم تحت عجلات التخلف. فالعلمانية -وليس الديمقراطية- هي التاج الذي تتوج به الدول التي قطعت أشواطا كبيرة لتصل إلى ذروة التقدم.لأن الديمقراطية درجة على سلم التقدم لكنها ليست الدرجة العليا فيه، فبماذا تفيد الديمقراطية إن قهرت الأغلبية-المكتسحة- الأقلية -المهزومة- بمسمى طائفي..؟.
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS