- 
قداسةٌ دون مقدسٍ  (1)

الأربعاء, 16-مارس-2016 - 08:04:39
الإعلام التقدمي-بقلم: سامي عبد العال -


ماذا يعني الدينُ في المجال العام؟ أيعني توظيفاً له؟ إذا كانت المسألة كذلك، هل تصّحُ كلمةُ استعمالٍ إزاء المُقدَّس؟ الاستعمالَ يرتهن بالمعتقد كنظامٍ رمزيٍّ؛ أي يعطي الدين نفسَّه(بنفسه) مبرراً للتدخل في الحياة، بل في أخص مجرياتها. وستكون لدي أصحابه ذخيرتُّهم الخطابية لإثبات هذا.فهي ستفرز رؤاه النوعية التي يخلعها على الأشياء، بينما سيراها الأكثر يقيناً إزاء أي شيءٍّ مهما يكُن مغايراً. فرسالة الدين تمنحُ حقَ التدخل، بل حق التخطي، إنْ لم تحسم المواقف حول الحياة والعالم والإنسان والموت والثواب والعقاب. لكن أليس ذلك فخاً أيديولوجياً لما هو ديني دون حذر؟! ألاَ يضعه وسط التنوع البشري؛ أي التهديد بتصفية المقدس؟!


ربما الأمر غيرُ واضحٍ. كيف لشيءٍ تأتي أهميته من نفسه؟ الدين هو المتن الوحيد تقريباً الذي يستمد مشروعيته من ذاته. ولأنَّه مؤسسٌ على الإيمانٍ فتلك المشروعية تظل ساريةً بقدر مزاعمها المتواصلة. بل يتنازل المتدينون عن قلُّوبهم ابتغاء تجسيدِّها في فعلٍ ماديٍّ، تنازُل هم يرونَّه عملاً مقدساً يستحيل تركُّه. تلك الفكرة ستصطدم بقضاياً كثيرةٍ. كيف لقلب مكتفٍ بتجربته أنْ يصير مؤسسةً عموميةً، وأنْ يتخلَّق في علاقات، وأنْ يكون جلباباً وطقساً ومنديلاً وشعاراً جامعاً كشعار“الإسلام هو الحل”؟!


 هنا لا يغدو الدين ديناً، إنَّه يخضع للفعل الإنساني، تاركاً قواه التَّصورية تمسّح(تنظِّف) جذورها في أشكال متناميةٍ وأكثر اتساعاً. وهذه هي الطرافة:حينما يدخل الدين فضاءً عمومياً يتخفف من أعباء دجمائية تواصلاً مع الآخر. كلُّ تصور ديني محكوم بهذا البُعد طالما يجري أمام آخر حتى وإنْ كان مُؤمناً به. وإذالم يدرك المتشدِّدون ذلك يعتبرون الدين أداة إرهابٍ لا يقصُد أفراداً فقط بل المجتمع إجمالاً. وما لم يتجسد الايمانُ خلال بدائل أبعد من الأهداف الضيقة سيصبح الدين قناعاً برجماتياًpragmatic mask للمآربِ والمصالح.


تحولات الدين


دأبت الجماعات الإسلامية على إغراق الحس العام بالشعارات والرموز والنصوص الدينية. لم يعرفوا أنَّ الاغراق هو ذاته اغراق للشعار في عملية تمزُّق حيٌّ. لأنَّ المعتّقدَ شعارٌ ليس يبلغه جميع الناس بذات الأسلوب ونفس الأيديولوجيا. هذا سر خوف جماعات كهذه من “رُهاب الواقع”(1)، بل يسعون ليلاً ونهاراً لتعميته. فلئن كان الشعارُ والنص مقولتين لغويتين فإنَّهما كذلك حجابٌ سيميائيٌّ لعمل شيء أعمق. إنَّهما يعيدان كتابة الفعل على أكبر نطاق بفضل مخزونه الرمزيِّ. لا يبتعد التاريخ الدلالي للعلامة الدينية عن مكوثه كأبي الهولعبر الواقع المتحول. فالواقع رغبةٌ هي “الكتلة الفاعلة”2 في الوجود الاجتماعي العام.


لكَّم حاولت الجماعات اقتناص أية فرصة للتماهي مع هذه الرغبة. وكم سعت- أثناء الربيع العربي- إلى مبادلة الرغبة بكتل الحشود لالتهام المجتمع. لهذا كان التّيار الديني يرشق الشعارات في كلَّ تظاهرةٍ وفي أدنى فعلٍ عامٍ. ليس من باب أسلمة المجتمع، هذه القشرة البرانية كقشرة الذهب المزيف، لكن لكّون الأخير عصيَّاً على التواطُؤ الخاطف. فبناء الواقع عملية تاريخية ثقافية لا تنتهي. وبما أنَّالتيار السابق لا يملك إلاَّ دفاتره القديمة، فماذا يعمل سوى تفتيشها أثناء الأزمات بطريقة جحا حين يُفلّس؟!


استعمالُ الدين عبارة عن تحويلهtransform إلى قوةٍ لتنشيط الأفعال والتصورات الخاملة. وعليه فالدين ليس مادةً ولا محتوى. إذا كان ثمة دينٌ فإنَّه يأخُذ مظهراً فردياً. ولن يظهربكامل عتاده الرمزي في محيط عام. حتى في أنظمة حاكمة تتبنى لاهوتاً سياسياً يضمن هيمنتها، لا يطغى الدين إلاَّ كمرجعية مسكوتٍ عنها. هي من حيث زرعها في العقل الجمعي تختفي، فتكمن في سلوكيات وبرامج نظرية، في عبادات وشعائر تُوجِد دلالات فردية أكثر منها نمطاً مُوّحداً من المعتقد. بل يُختَّبر هذا الدين اختباراً خطيراً، لأنَّه يجري تعريته لعيون فاحصة ووعي ناقدٍ. هل كان لأيَّة ممارسات دينية أنْ تتعرض للنقد من غير انصرافها مثولاً في حياة مباشرة؟


هكذا لن يمر الدينُ في المجال العام دونما شيء ما يحدث في أبنيته الصامدة. بالتالي سيحمل بذرةً مضادةً بأعمق مدى لمسيرته الروحية، لأنَّه يتعرض لما يتراكم من رواسب أيديولوجية. على الأقل لن يجري كما هو ولا مثلما يحاول معتنقوه الارتباط بتجاربه الأصلية. فلا يمكن تنحية الدين عن الصراعات وفي ذات الوقت يستحيل المحافظة على مقدساته بلا تأرُّخ وإعادة صياغة(3). الفكرة نفسها(أي الدين الخالصpure religion) بلا منطق إلاَّ إذا تأسست على الصرامة الوجودية. وهذا الأمر له ثغراته المزدوجة لأنَّها تثبت عكسها:


أولاً: سيُفرض الدينُ فرضاً وإنْ قبلته أطراف المجتمع قاطبة. الفرضُ يعني وضع الدين على فوهة التساؤل اليومي. لأنَّ ثمة متابعة المؤمنين لبعضهم البعض مع الطقوس والشعائر.


ثانياً:يبلغ الدين- بمفاهيم ومعتقدات – إمكانية مختلفة عما يقصدها، مختلفة لدرجةأنَّ التنوع في النظر إليه لا يُحدُّ، على مستوى الدين الواحد فما بالنا بأديان عدّةٍ.


ثالثاً: ينبغي إيجاد نموذج خارج الأفراد يستثمر قوى الدين حتى لو على صعيد الأفرادِ.


رابعاً: يمتنع المؤمنون عن اقتحام المغايرين، بل يظهرون مواقفهم المحتملة إزاء الواقع والحياة. هذا الامتناع لا خيار لهم فيه. لأنَّ مجالاً عاماً بحكم نسبيته يستحيل الهيمنة عليه إلاَّ قسراً. وإذا أخذ بقبضة دينيةٍ سيكون مصيرها التفكك والتحلل.

أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS