- 
في الطريق لليبرالية الديمقراطية ومفهوم الإيمان

الثلاثاء, 02-فبراير-2016 - 07:15:48
الإعلام التقدمي-راغب الركابي -


عنوان هذا المقال أخذناه من سؤال جاءنا من صديق يسأل فيه وبعدما أطلع على كتابنا – الطريق إلى الليبرالية الديمقراطية – عن الإيمان والليبرالية الديمقراطية ومابينهما من المشتركات، وكتابنا هذا صدر في بيروت عن مؤسسة العارف للمطبوعات، وللوهلة الأولى فهمت إن السؤال يتناول في مضمونه العام البنية المعرفية لإيمان الليبرالي وهل هو واقع بالفعل؟ وكيف يكون ذلك؟، ولأن الجواب عن ذلك يتطلب إحالة الكتاب نفسه، لكننا نظن إن هناك طائفةً من الناس تتصور وتعتقد بأن الليبرالي لا يؤمن بالله ولا بالغيب، وتلك نظرة غير صحيحة وغير عاقلة وغير منطقية بل وفيها من التآمر والدس الشيء الكثير.

وذلك لأن الليبرالي الديمقراطي حين يستند في مقولاته عن الحرية وعن حقوق الإنسان، إنما يستند في ذلك على الإيمان في نفسه بهذه الأشياء، والإيمان بالمفهوم الليبرالي الديمقراطي واحد لا يتجزء، كما إن الليبرالي الديمقراطي في تحليله للكون والحياة يستند في ذلك على الإيمان طبعاً الإيمان العقلي، والإيمان العقلي هو إيمان يكون من منظور فردي وفهم فردي لا من منظور جماعي أو فهم جماعي، والفهم الفردي : الذي نقصده يرتبط ويتعلق بمسألة الحرية والإختيار ودرجة الوعي والوسائل التي يستخدمها هذا الفرد فيما يؤمن به وفيما يعتقد به، ولهذا يدفع الليبرالي الديمقراطي ويطرد الفهم الجماعي للأشياء من وحي ذلك، بإعتبار ذلك الفهم أعني – الجماعي – يرقى لمعنى الدكتاتورية والإستبداد ومن هنا يكون الإجماع كذلك، وهذه هو النقيض الطبيعي لليبرالية الديمقراطية، ثم إن مفهوم الإيمان هو مفهوم نسبي، وليس مفهوماً مطلقاً، ولذلك لا يمكن جعله عاماً و بنفس الدرجة، وذلك لطبيعة التفاوت في المتلقيات والأدوات والعقل القادر على الفهم والتحليل.

ونحن في – الحزب الليبرالي الديمقراطي العراقي – أقمنا علاقتنا بالأشياء مهما علت أو تدنت على العقل ومايؤمن به ومايؤسسه، واعتبرناه الأساس الذي لا يتبدل ولا يستغنى عنه في عملنا، ونظرتنا العقلية تلك أردناها من خلال تعميمها لتكون في متناول الجميع، وفكرياً في هذا المجال نقول : إن بعض نظرتنا للإيمان يغلفه دائماً المعنى العقلي، ذلك لأن هذه النظرة العقلية أساسها معنى الحياة الإنسانية برمتها، والتي تقوم على ذلك منذ البدء، يعني منذ زمن ذلك التدافع من أجل العيش والحياة بين البشر، وبنفس درجة الوعي تلك نقول : إننا لا نستطيع طرح قضية الإيمان بالغيب جانباً لما لذلك من تداعيات تاريخية وإنسانية نحس بها ونستشعرها، ومن يطرح ذلك في المجال السياسي حتما ستُصيبه بشيء من اللاتوازن واللاإنتظام، وهذا الذي نقوله ينطلق من واقعيتنا السياسية التي نتحدث عنها دائماً، ونؤمن بها كإيماننا بذل التمايز في الطبيعة بين ما هو سياسي وما هو فكري.

نعم إن مفهوم الإيمان الذي ورد في كتابنا – الطريق إلى الليبرالية الديمقراطية -، إن دقق به صديقنا السائل، سيجد إننا هناك قد كثفنا الحديث ووسعناه عن الإيمان لا من وجهة نظر سياسية فقط، بل لأننا نعلم إستحالة تحقيق أهدافنا إن فُقد الإيمان من حياة الأفراد، ولإيماننا كذلك بإستحالة تحقيق حلمنا ببناء الدولة المنشودة من غير الإيمان هذا، وهذا دليل على إننا لا نجرد الناس من إيمانهم، بل إننا نؤكد على أهمية الإيمان الفردي وليس الجماعي، يعني إننا نؤكد على إستقلالية عقل الفرد من عقل الجماعة، وإستقلالية العقل هذا يجعل للإختيار معنى ويجعل لكل فرد إحساس بمسؤولياته وشخصيته، ويعلم صديقنا إيضاً : إن الليبرالية الديمقراطية تحترم فكرة الأمة في صيغة المتشكلة من الوعي المنفصل وليس من الوعي الجمعي المفروض، وفكرة الأمة المتكونة بالإختيار الذي يتم بعد الإيمان بها، وهذا هو شرطنا في أن لا نكون أمة مجزئة أو أمة مستغفلة ومستضعفة، والتأكيد منا في فردانية الوعي وفي فردانية الإيمان له علاقة بمفهوم – كل نفس بما كسبت وكل أمرء بما كسب -، وهذا يكون أكثر وضوحاً في صراعنا ضد الجهل والتخلف وفرض الأفكار والإيمان الزائف بالحقيقة المطلقة،

والايمان الزائف لا يستطيع أحد ان يفخر به، لأنه لن يكون نابعاً من أعماقنا ومن خياراتنا ومن فهمنا، والإيمان الزائف نجده هناك في التلوث الفكري الذي يبثه خطباء فاسدون وسياسيون فاشلون، وهو الذي يؤثر سلباً في قدرة عقول شابابنا وشاباتنا في إختياراتهم ومواقفهم، إن الليبرالية الديمقراطية كما في الطريق إليها كشفت زيف أدعياء الحرية وأدعياء العقل وأدعياء الفكر، وكشفت رخص السياسة السائدة في بلدنا ورخص السياسين الفاشلين الإنتهازيين، كما وأشارت إلى إن الطريق إلى الحرية يكون ليس بأدعاء المثالية والتطفل على الواقع من خلال الضرب على وتر الطائفية الموهومة والديمقراطية الزائفة، والتي زيفت نضال العراقيين مثلما زيفت حقيقة الإيمان بالتغيير.

أيها الصديق العزيز، كتابنا لم يقلل من شأن الإيمان ولا من شأن الغيب لكنه دعى فيه لجعل طريق تنمية الواقع يكون بتطوير العقل، وفسح المجال أمامه ليكون حراً بالفعل، وهذا مبدأ أعتمدناه وهناك ثمة فرق أساسي بين المبدأ كروح و المبدأ كذهن، ومبادئ الليبرالية الديمقراطية هي مبدأ روحي وليس ذهني وحسب، وتجربتها ليست تاريخية بالمعنى الحرفي، بل هي روح نشأة وتكونت مع الحياة نفسها ومع الإنسان نفسه حين تحول بفعل عقله ليكون كذلك.

إن طريقنا نحو الليبرالية الديمقراطية هو طريق طويل ويحتاج منا التعرف عليه جيداً، يعني فسح المجال لعقولنا كي تدخل ساحته من غير الإعتماد على مايبث ومايؤثر في وعلى منظومة عقولنا الذاتية الفردانية، وعقلنا الذاتي إن تمسكنا به فهو كلمة السر التي تجعل من طريقنا نحو الليبرالية الديمقراطية صحيحاً وسالماً ومُعافى، وهذا الذي نقوله في الإعتماد على العقل وتحريره من سلطات الجماعة هي الميزة التي تميزنا نحن الليبراليون الديمقراطيون، وذلك ليس إدعاء ولكنه واقع نعيشه وندعوا له، وهو الذي يجعل من إيماننا راسخاً ومتميزاً عن غيرنا..
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS