- 

كتب ابن كثير فى سيرته (ج3- باب غزوة الحديبية) نقلا عن ابن اسحاق ((إنّ محمدًا استنفر العرب ومن حوله من أهل البوادى من الأعراب ليخرجوا معه، وهو يخشى من قريش أنْ يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الأعراب، وساق معه الهدى، وأحرم بالعمرة ليأمن الناس حربه وليعلموا أنه إنما خرج زائرًا لهذا البيت مُـعظمـًـا له. وأضاف بانّ عدد الذين

السبت, 16-يناير-2016 - 07:15:57
الإعلام التقدمي -طلعت رضوان -


كتب ابن كثير فى سيرته (ج3- باب غزوة الحديبية) نقلا عن ابن اسحاق ((إنّ محمدًا استنفر العرب ومن حوله من أهل البوادى من الأعراب ليخرجوا معه، وهو يخشى من قريش أنْ يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الأعراب، وساق معه الهدى، وأحرم بالعمرة ليأمن الناس حربه وليعلموا أنه إنما خرج زائرًا لهذا البيت مُـعظمـًـا له. وأضاف بانّ عدد الذين ذهبوا معه كانوا أربع عشرة مائة)) وكان تعقيب د. عبد الهادى عبد الرحمن فى كتابه (جذور القوة الإسلامية) أنّ التوقيت ((كان ذكيـًـا، فمكة واضعة سلاحها، ومحمد يُـريد أنْ يفرض وجوده، فالأمر ليس أمر عمرة أو حج، وإنما هو إبراز للقوة المحمدية الجديدة، وبأنّ هذا الذى طــُـرد من أرضه ووطنه وحاربوه وحاربهم، عائد ليقول لهم بأنّ عداءهم له لم يفت فى عضده وبأنه قادر- على الأقل – أنْ ينتزع حقه فى دخول مكة ولو مُـعتمرًا، فهو ما كان له أنْ يدخلها فاتحـًـا إلاّ بعد اختبار للقوى، مُـحاولا توريط بعض القبائل (غير المسلمة) وضمها لحشده، ومُـستخدمًـا فى ذلك أيضـًـا بعض الأحلاف مع (غير المسلمين) من العرب، مُـستنفرًا من له حق فى أداء وظائفه الدينية، مُـعلنــًـا أيضـًـا أنّ الحج والعمرة هما جزء من فرائض وطقوس الدين الجديد، ولعلّ دخولهما الدين الإسلامى لم يكن إلاّ تعبيرًا عن أساس من أسس الصراع على السيادة الدينية والاقتصادية،


وبالتالى السيادة السياسية، ولعلّ قريشـًـا بعد الفتح قد رضيتْ عن بقاء أهم طقس من طقوس عبادتها جزءًا من فروض الدين الجديد الأساسية- رغم ما صحبه من تغيرات ثانوية وانضاف إليه- وتنازلتْ – ولو إلى حين – عن سيادتها الروحية والاقتصادية فى بلاد العرب)) (ص161)


أرادتْ قريش أنْ يمر عامها هذا دون تعكير صفو، فأرسلتْ سهيلا بن عمرو وقالوا : إئتِ محمدًا وصالحه، ولا يكن فى صلحه إلاّ أنْ يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تتحدث العرب أنه دخلها عنوة أبدًا.. وفى الصلح تغاضى محمد عن الشكليات، فلم يكتب (بسم الله الرحمن الرحيم) وإنما كتب (باسمك اللهم) ولم يكتب (محمد رسول الله) وإنما كتب (محمد بن عبد الله) فاصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشرسنين يأمن فيهم الناس ويكف بعضهم عن بعض.. واشترطوا على محمد أنْ يعود فيقيم بمكة ومعه سلاح الراكب والسيف فى القـِـرب ولا يدخلها بغيرها. وكان المسلمون مُـتعجلين فثاروا على المعاهدة، لكن محمدًا كان واعيًـا بموازين القوى حوله. وأتاح صلح الحديبية للمسلمين أنْ يأخذوا أنفاسهم وأنْ يعقدوا أحلافــًـا مع بعض القبائل العربية.

وأنّ جهود محمد خلال سنتيْن قد تــُـوّجتْ بإنتصار كبير، فلقد أعطى ذلك الحلف لمحمد شرعية كانت تنكرها عليه مكة، وانتقصتْ من سيادتها فى نفوس العرب، فلمَ إذن لا يُحالفونه أو ينصرونه؟ كما أنّ الصراعات (القبلية القديمة) فعلتْ فعلها مثل الصراع بين خزاعة وبنى بكر، فدخل بنو بكر فى حلف قريش، فلمَ – إذن – لا تدخل خزاعة فى حلف محمد؟

وعندما دخل البعض فى الإسلام وانتقلوا من مكة إلى يثرب، نصحهم محمد بالعودة إلى مكة، ثم تطوّر الأمر بأنْ أفلت كثيرون من قريش ولم يعودوا وخرجوا حتى اجتمعتْ منهم عصابة، وما إنْ سمعوا بخروج عير لقريش إلى الشام إلاّ اعترضوها، وقتلوا من كانوا عليها وأخذوا أموالهم، وهكذا جاء الأمر عكس ما توقعتْ قريش، فأرسلتْ إلى محمد تــُـناشده بالله والرحم، وتــُـذكــّـره بشروط المعاهدة (أى عدم الاعتداء وتسليم الخارجن من جانب الطرفيْن)

ومما له دلالة على ثقة نبى الإسلام فى قوته، وبداية التفكير فى الانتقال من (السيطرة على العرب) إلى مرحلة جديدة فى مسيرة دعوته (الدينية/ العسكرية) أنه بعد صلح الحديبية مباشرة أرسل (بعثة) مُـكوّنة من ستة أشخاص إلى (المقوقس) حاكم الإسكندرية وكان ضمن الرسالة قول محمد له ((اسلم تسلم)) كذلك أرسل محمد شجاع بن جذيمة إلى الحارث الغسانى ملك عرب (النصارى) وأرسل (دحية بن خليفة الكلبى) إلى قيصر هرقل الروم، وأرسل عبد الله بن حذافة السهمى إلى كسرى ملك الفرس، وأرسل عمرو بن أمية الصخرى إلى النجاشى. وتلك (البعثات) كانت البداية للغزو خارج حزيرة العرب.

ومما يؤكد قوة (جيش محمد) أنّ (صحيفة المعاهدة) نصـّـتْ على أنْ تتوقف الحرب بين محمد وحلفائه، وبين مكة وحلفائها لمدة عشر سنوات، فهل توقف محمد فعلا عن الحرب؟ وهل التزم بشروط المعاهدة؟ كتب د. عبد الهادى ((كلا.. فجيش محمد كان قد تعوّد القتال، وجيش هذا حاله لا يمكن أنْ يتوقف، ربما ترك مكة فى حالها، وانطلق يحسم مواقع أخرى، فما إنْ رجع من الحديبية حتى مكث فى يثرب أقل من شهر، ثم خرج إلى خيبر، وفى الأشهر الحرم، فنزل ب (الرجيع) وهو وادى بين خيبر وغطفان، فتخوّف أنْ تمدهم غطفان، وفعل خدعة أتتْ أكلها مع غطفان، حيث أرسل خلفهم نفرًا من جيشه فأثاروا الرعب، فأقاموا فى أموالهم وأهاليهم ولم يخرجوا ليـُـظاهروا أهل خيبر. وكان محمد إذا غزا قومًـا لم يغر عليهم حتى يُـصبح، فبات ليلة فى خيبرحتى أصبح فانقضّ عليها، وكان عمال خيبر غادين، فلما رأوا محمدًا وجيشه قالوا : محمد والخميس (= الجيش) معه فأدبروا هربًـا، فقال محمد : الله أكبر خربتْ خيبر. إنــّـا إذا نزلنا ساحة قوم فساء صباح المنذرين)) (صحيح البخارى رقم 371، وورد كذلك فى صحيح مسلم) وهكذا باغتهم محمد دون سابق إنذار، وأجبرهم على الاستسلام فقتل الرجال وسبى النساء، وكان من بين السبايا (صفية بنت حيى) التى وقعتْ من نصيب (دحية الكلبى)، فلما رآها النبى (وكانت جميلة جدا) قال لدحية : اذهب وخذ من السبى غيرها..



فأخذها محمد لنفسه (صحيح البخارى – المصدر السابق)

كانت غنائم خيبر كثيرة جدًا، الأمر الذى جعل محمد يُـقسّـمها تقسيمًا مُـختلفـًا وفق ما نصّ عليه القرآن، حيث أنه لم يُـقسّـم الغنيمة كلها، وإنما وزّع نصفها فقط، (أى خمـّـس النصف) فعل هذا رغم أنّ عدد قوات جيشه كان حوالى 1500 رجلا وذكرت بعض كتب السيرة أّنّ خيبر كان بها 40000 نخلة. وبناءً عليه ازدادتْ ثروة النبى زيادة كبيرة ذكرتها كتب السيرة بسبب (الخـُـمس) أو تلك الأسهم التى اقتطعها لنفسه، كما حدث فى فيىء بنى النضير وفدك بكاملها، ونصيبه من أرض خيبر.. فكانت هذه الأموال له (فقط) وكان يعزل منها نفقة أهله لمدة سنة. ثم جعل ما تبقى ليصرفه على شراء السلاح، وقد أثار هذا مشكلة بعد موته، فاعتقدتْ فاطمة (بنت محمد) وزوجات النبى وأقاربه أنّ هذه الأراضى تكون موروثة عنه، لكن أبا بكر رفض واستشهد بكلام قاله النبى ((لا نــُـورث.. وما تركنا صدقة)) ولم يأخذ ورثة محمد نصيبهم من (الخـُـمس) إلاّ فى عهد عمربن الخطاب، بعد أنْ اتسعتْ (الدولة الإسلامية) وكثرتْ (الغزوات العربية) خارج جزيرة العرب.. وكتب د. عبد الهادى فى هذا الشأن ((وبالطبع لم يأخذ (العبيد المسلمون) ولا النساء مثلما أخذ الرجال (الأحرار) وإنما أعطاهم النبى عطاءً محدودًا من الغنيمة، ولم يُـسهم لهم من أموال خيبر. وذكر ابن كثير- ج3 – ص 374 وما بعدها وص 386 وما بعدها أنّ محمدًا أعطاهم ((تمرًا وبعض المتاع))  سلفي


وبعد خيبر.. لم يهدأ محمد ولم يركن إلى الراحة ووفق صياغة د. عبد الهادى (بعد أنْ اكتسب السيف المُـشهر شرعيته فى قطع الطرق والاغارات المستمرة، انطلق إلى وادى الرى، وحاصر أهلها لعدة ليالى، وقاتلهم حتى أمسوا.. فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا بأيديهم.. (وفتحها) عنوة وغنم هو وجيشه أموالهم وأصابوا متاعـًـا كثيرًا.. وأقام محمد أربعة أيام ليـُـقــّـسم الغنائم (من كثرتها) وترك الأرض والنخيل فى أيدى من صالحوه من اليهود.. وعاملهم عليها (أى عيـّـنهم عليها مقابل أنْ يدفعوا خراج الأرض على شطر من تمر وزرع غير الجزية) وفعل ذلك فى يهود بنى تيماء، فصالحوا النبى على الجزية. وهكذا وصلتْ يد محمد قرب الشام، لأنّ تيماء ووادى القرى فى أقصى الشمال.. وبذلك سيطر على بلاد شمال الحجاز تقريبًـا، ولم يبق أمامه سوى مكة وبعض القبائل ليحسم أمر جنوبها)) (ص168)


ومن تأثير هيبة محمد فى جزيرة العرب، كان عند عودته من تلك الفتوحات (الغزوات) تفزع القبائل والعشائر، وتولى هاربة فى الجبال والكهوف، بعيدًا عن غبار خيوله وإبله ورجاله، كما حدث مع (بنى فزازة) أثناء عودته من خيبر، حيث قتل من مرّ بهم، وذكرتْ كتب التراث العربى / الإسلامى أنّ شخصـًـا اسمه (سلمة) كان فى غزوة خيبر فى جيش محمد، وهذا الرجل قال ((نظرتُ إلى الناس من بنى فزازة نحو الجبل، فرميتُ بسهم فوقع بينهم وبين الجبل، فجئتُ بهم أسوقهم إلى أبى بكر (وكان على رأس سرية بنى فزازة) حتى أتيته على الماء وفيهم امرأة من فزازة عليها فرو ثمين ومعها ابنة لها من أحسن العرب، فنفلنى أبو بكر بنتها (أى منحه بنتها) قال : فما كشفتُ لها ثوبـًــا حتى قدمتُ المدينة، ثم بتُ فلم أكشف لها ثوبـًـا، حتى لقينى الرسول فى السوق وقال لى : يا سلمة هب لى المرأة، فقلت له : والله لقد أعجبتنى وما كشفتُ لها ثوبـًـا، ثم لقينى فى اليوم الثانى وسألنى إياها فقلتُ مثلما قلتُ. وفى اليوم الثالث قال لى ((يا سلمة هب لى المرأة)) فقلتُ والله ما كشفتُ لها ثوبًـا وهى لك يا رسول الله)) وظلــّـتْ معه حتى أرسلها مكة ففادى بها أسارى المسلمين (رواه البيهقى عن عكرمة، ومسلم فى صحيحه، وسيرة ابن كثير- ج- ص 417)
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS