- أخيرا عاد النقاش حول العلمانية إلى الوطن العربي وإلى ‫‏اليمن. و عودة النقاش هنا تكتسب أهميتها من أن النقاش حول هذه القضية كان قد “اغلق” بسبب الارهاب الفكري الذي تعرض له مصطلح العلمانية خلال العقود الاربعة التالية لسقوط المشروع التحديثي (القومي- الليبرالي).

السبت, 21-نوفمبر-2015 - 21:25:46
الإعلام التقدمي-حسين الوادعي -

أخيرا عاد النقاش حول العلمانية إلى الوطن العربي وإلى ‫‏اليمن. و عودة النقاش هنا تكتسب أهميتها من أن النقاش حول هذه القضية كان قد “اغلق” بسبب الارهاب الفكري الذي تعرض له مصطلح العلمانية خلال العقود الاربعة التالية لسقوط المشروع التحديثي (القومي- الليبرالي).

وقد بلغ حجم التشويه الكبير للعلمانية إلى حد أن مفكرين علمانيين كبار مثل محمد عابد الجابري وبرهان غليون وحسن حنفي دعوا للتخلي عن المصطلح والاستعاضة عنه بمصطلحات بديلة مثل: ‫‏العقلانية أو ‫‏الديمقراطية.

تعود العلمانية إلى دائرة النقاش في ظروف وقائع جديدة تؤكد على ضرورة “التفكير في العلمانية” كبديل لحروب هويات وطوائف لا ترحم. وهو حدث مهم ينم عن تطور فكري عميق عند الشرائح المتعلمة من المجتمع. فقبل سنوات قليلة كان من المستحيل نطق كلمة “العلمانية” في المجال العام.

الملفت للنظر في النقاش اليمني حول العلمانية هو تصدر الشباب لهذا النقاش بوعي واضح أن المهمة المطروحة الآن ليست “اقناع” شرائح أوسع بالعلمانية بقدر ما هي مساعدتهم على “فهم” العلمانية دون تشويه، وتمكينهم من الاختيار الحر والواعي لنوع المجتمع الذي يتمنون أن يعيشوا فيه.

وإذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي (الفيسبوك  والواتساب  والتويتر) هي المنصات الأساسية لهذا الحوار فانه وصل أيضا إلى الندوات وجلسات النقاش الجماعية. كما تم تأسيس مجموعات ومبادرات للتعريف بالعلمانية وطرحت فكرة تأسيس “حزب علماني”.

لا يمكن القول أن العلمانية أصبحت مطلبا شعبيا في مجتمع لا زال يعاني 70% من سكانه من الأمية. لكن هناك حيوية جديدة في المجتمع اليمني. وأستطيع الجزم من خلال متابعتي للنقاشات أن الرافضين للعلمانية يرفضون “مصطلح” العلمانية أكثر من رفضهم لـ”مضمون” العلمانية” بسبب ما علق بالمصطلح من مفاهيم خاطئة نتيجة الحرب الدعائية المكثفة التي شنها الاسلاميون ضده طوال القرن الماضي.

إن صعود ‫‏الطائفية ورايات ‫الحروب الدينية جعلت قضية العلمانية اختيارا مصيريا في لحظة مفصلية ودموية في التاريخ العربي. لقد بدأت أوروبا تفكر في العلمانية في خضم الحروب المذهبية الأوربية التي مزقت أوروبا قرنا كاملا. والذين بدأوا التفكير في العلمانية ليسوا الفلاسفة المعادين للدين بل كانوا رجال دين مسيحيين ومخلصين. لكنهم اكتشفوا أن الحل الوحيد للخلاص من الحروب المذهبية هو الوصول إلى اطار مشترك يمكن أن يجمع كل الأوربيين.

ولأن المذاهب متناحرة (كاثوليك بروتستانت)  أصبحت عامل تفريق لم يكن هناك مفر من الاتفاق على مبدأ قادر على جمع الناس هو مبدأ “المواطنة” وتفكيك الألغام المذهبية عبر مبدأ فصل الدين عن السياسة.

تم الاتفاق أن يظل الانتماء الديني حرا في المجال الخاص لكل جماعة والمجال الشخصي لكل فرد، أما المجال العام فيصبح التنافس فيه سياسيا بناء على المصلحة العامة وعلى رابطة  “المواطنة” التي تتجاوز كل المذاهب.

هذا هو نفس السياق الذي يعود فيه نقاش العلمانية في اليمن. سياق بوادر حروب الطوائف والمذهبيات. أثبتت التجارب الأوربية أن العلمانية مكسب كبير للأديان لأنها تطلق البعد الروحي لها وتضمن لكل المؤمنين حرية ممارسة شعائرهم. كما أنها مكسب كبير للإنسان لأنها تساعد على “أنسنة” العالم وتفكيك ظروف القهر و”عقلنة” السياسة والمجتمع و “تحرير” الضمير من القسر والارغام.

وقد شكل تصدر العلمانيين للمظاهرات الأخيرة في العراق ورفع شعار “علمانية ..لا سنيه ولا شيعية” في تحفيز المبادرات العلمانية في اليمن على مواصلة رحلة الأف ميل التي لا زالت في خطوتها الاولى.

فهل ستصل نقاشات العلمانية في اليمن والوطن العربي إلى نفس الخلاصة ونحن نعيش نفس أجواء الحروب الدينية والأهلية أم أننا نحتاج لعقود من الصراع وملايين القتلى لكي نعي الدرس.
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS