- 
لا تزال العديد من المجتمعات المتدينة وخصوصاً في العالم الإسلامي تنظر للعلمانية بنوع من الخوف أو التردد وفي الواقع يمكن تفهم هذا الأمر أحياناً عندما تكون العلمانية مصطلحاً دخيلاً على المجتمع أو يتم استغلالها بصورة تطرفية ضد السلطة الدينية.

الأحد, 08-نوفمبر-2015 - 07:56:55
الإعلام التقدمي -


لا تزال العديد من المجتمعات المتدينة وخصوصاً في العالم الإسلامي تنظر للعلمانية بنوع من الخوف أو التردد وفي الواقع يمكن تفهم هذا الأمر أحياناً عندما تكون العلمانية مصطلحاً دخيلاً على المجتمع أو يتم استغلالها بصورة تطرفية ضد السلطة الدينية.
هناك نوع آخر من الرفض يتعلق بالتشدد الديني والذي قد يصل لمرحلة متقدمة من التطرف تبتدئ برفض المفهوم ثم تهديد المنادين به وربما التمثيل بهم أحياناً. لوحظت هذه الظاهرة في السعودية بشكل رئيس حيث ذهب العديد من دعاة العلمانية والليبرالية ضحية رجال الدين والقضاء مثل رائف بدوي مؤسس الشبكة الليبرالية السعودية الذي حكم عليه بألف جلدة و10 سنوات سجن وغرامة مالية قدرها مليون ريال سعودي وحمزة كاشغري الذي سجن لبضع عبارات على مدونته ثم أفرج عنه على أساس توبته. في مصر ورغم وجود تيار علماني بصورة رسمية إلا أنه لا يزال محارباً من قبل الجماعات الإسلامية وخاصة التيار السلفي.

في اليمن وهذا محور الحديث هنا انقسم اليمنيون حول المفهوم بما في ذلك السنة والشيعة. في المذهب السني هددت بعض قيادات الإصلاح بقيادة الزنداني وأولاده قيام أي فكر علماني وأعلنت على مواقع التواصل الاجتماعي وفي اللقاءات الرسمية بعدم جواز ذلك واعتبرته مخالفة صريحة للشريعة الإسلامية (طالع مثلاً: الزنداني يصف الديمقراطية باللعبة ويهدد دعاة العلمانية).


بالمقابل أبدى تيار آخر من الإصلاحيين المعتدلين وخاصة في الفئة الشبابية ترحيبه بتجربة العلمانية شريطة عدم الإضرار بالدين الإسلامي أبرزهم توكل كرمان الحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 2011.


كذلك وقف شيوخ آخرون على الحياد مثل الحبيب الجفري معللين الأمر بإبدال مفهوم العلمانية بمفهوم آخر يتماشى مع الشريعة الإسلامية في الوقت الذي يضمن عدم استغلال السلطة الدينية نفوذها.


تيارات المذهب الشيعي أبدت تجاوبا أيضا مع العلمانية  وخاصة في إطار مفهوم الدولة المدنية واستقلالها عن الخطاب الديني بوضوح كما جاء في تصريحات الدكتور أحمد شرف الدين قبل اغتياله على إثر الصراع بين الحوثيين والحكومة الانتقالية بداية 2014.


يتضح جلياً أن مفهوم العلمانية يلبسه بعض الغموض لدى رجال الدين والذين قد يجدونه معارضا لمعتقداتهم وخاصة عند المسلمين بحكم أنهم الأغلبية.

الأحداث الأخيرة في اليمن وخروج الصراع الداخلي اليمني إلى صراع إقليمي بقيادة ما سمي بقوات التحالف ربما تساعد في إعادة النظر بمفهوم العلمانية والقبول به بصورة أوسع وخاصة بعدما باتت لغة الخطاب الديني واضحة في تأجيج هذا الصراع وتحويله إلى صراع سني شيعي وتحليل رجال الدين سفك دماء وجهاد المخالفين لهم كلا حسب منظوره كأن يتهم المتطرفون من السنة الحوثيين بأنهم رافضة في حين يعمم المتطرفون الشيعة حربهم ضد المخالفين لهم من السنة بحجة أنهم تكفيريين.

بعيداً عن الصراع والخلاف القائم حول العلمانية نذكر بأن العلمانية لا تصنف كدين أو لادين وإنما هي فكر وتنظيم يحاول أن يكفل حق الدين وحق الحياة المدنية بدون تضارب. يمكن أن يكون موظفوا الدولة وحكام السلطة متدينين أو غير متدينين بينما لا يمكن أن نصف الدولة على أنها دولة دينية أو لادينية وهذا هو الخطأ الذي يلتبس لدى العديد من رجال الدين أو ربما يتعمد البعض إظهاره.

حين يتعلق الأمر بالتشريعات والقوانين ودستور الدولة فليس هناك ما يمنع أن تستمد الدولة بعض أو كل تشريعاتها من دين معين شريطة ألا تتعارض هذه التشريعات مع مفهوم الدولة العلمانية أو الدولة المدنية. الميزة هنا تكمن في تبرئة الدين أو رجال الدين من العواقب المترتبة على هذه التشريعات.

لتوضيح الأمر بمثال نفرض أن الدولة العلمانية أقرت أحكام كقطع يد السارق وقتل المرتد وجلد أو رجم الزاني مستمدة هذه الأحكام من التشريع الإسلامي بحكم الأغلبية المسلمة الموقعة على هذه الأحكام والتي ساهمت في بناء دستور الدولة. لاحقاً ستظهر خلافات سواء على الصعيد الإسلامي (كون هناك خلاف بين الفقهاء حول هذه الأحكام مثلاً) أو عواقب وخيمة عرضت الدولة العلمانية للنقد والمطالبة بتغيير الأحكام. هنا يكون التغيير غاية في السهولة كون القوانين والتشريعات بشرية وإن استمدت من المنهج الديني ولا يكون هناك أي لوم أو اتهام موجه للسلطة الدينية بينما الاتهام يبقى موجهاً نحو الدولة العلمانية نفسها حتى تقوم بتغيير قوانينها بما يتناسب مع متغيرات العصر وحقوق الإنسان المتعارف عليها عالمياً.
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS