- نبسط بين يديّ القارئ هذا البحث الذي أتناول فيه قضية العلمانية وهي قضية كانت وما زالت تشغل جزءاً واسعاً من دائرة الاهتمام الفكري والسياسي.....

الخميس, 30-إبريل-2015 - 06:52:00
الإعلام التقدمي -

نبسط بين يديّ القارئ هذا البحث الذي أتناول فيه قضية العلمانية وهي قضية كانت وما زالت تشغل جزءاً واسعاً من دائرة الاهتمام الفكري والسياسي.


إنّ موضوع العلمانية هو من أحد أكثر المواضيع حساسية والسبب في ذلك هو الاعتقاد السائد أن العلمانية وتطبيقها يؤديان إلى نزع الدين من قلوب الناس. فهي تيار يوحي طريقة الحياة التي يدعو إليها تعتمد على العلم وتتخذه سنداً لها فهي إذاً حركة فكرية ونحاول من خلالها فصل الأفكار الدينية عن القرارات والقوانين المدنية والسياسية.



ما هي العلمانية؟ وكيف نشأت وانتقلت إلينا؟ وما الفرق بين الدولة العلمانية والدولة الدينية؟


حاولت في هذا البحث إلقاء الضوء على هذا الموضوع وسميته (ما العلمانية)


فلقد كان عليّ أن اختار مذهباً فكرياً ليكون موضوعاً لبحثي، فاخترت تيار (العلمانية) وأثرته لأسباب عديدة منها:


1ـ غموض المدلول الحقيقي لهذا الاصطلاح مثل: الدين لله والوطن للجميع، لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين.


2ـ التوافق بين الذات العلمانية بوصفهما فكرة غربية واعية وبين موضوعها هو ما يعاني منه الواقع الإسلامي.


I ـ العلمانية في اللغة:


ما ورد في بعض المعاجم والكتب:


1ـ في معجم البساتي: «العلماني: العامي الذي ليس بإكليريكي»( ).


2ـ في معجم ويبستر الشهير: العلمانية «رؤية للحياة أو أي أمر محدد يعتمد أساساً على أنه يجب استبعاد الدين على الاعتبارات الدينية وتجاهلها»( ).


3ـ عرفت في معجم علم الاجتماع المعاصر (Dictionary of modern sociology)


العلمانية هي: (علماني secular)/ علمنة (secularization)/ مجتمع علماني (secular society) ( ).


4ـ العلمانية في ترجمة لكملة سيكولاريز (secularism) الانجليزية وهي مشتقة من كلمة (لاتينية) سيكولوم saeculum وتعني العالم أو الدنيا وتوضع في مقابل الكنيسة.


وذلك إلى جانب كلمة (موندوس) أي (العالم أو الدنيا) وقد استخدم مصطلح سيكولار secular لأول مرة مع توقيع صلح وستفاليا (عام 1648م ) الذي أنهى آتون الحروب الدينية المندلعة في أوروبا وبداية ظهور الدولة القومية الحديثة (أي الدولة العلمانية) مشيراً إلى علمنة ممتلكات الكنسية بمعنى نقلها إلى سلطات غير دينية أي لسطات الدولة المدنية( ).


تقول دائرة المعارف البريطانية بأنّ العلمانية «هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس عند الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بالحياة الدنيا وحدها»( ).


لقد اتسع المجال الدلالي للكلمة على يد «جون هوليوك» (1817 ـ 1906) الذي عرّف (العلمانية) بأنها الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية دون التصدي لقضية الإيمان سواء بالقبول أو الرفض( ) محاولاً ضرورة التميز بين معنى اللاديني (non-religions) والمعادي للدين (anti-religious).


IIـ العلمانية في الاصطلاح:


يمكننا إرجاع الأصول الفكرية للعلمانية إلى أفكار ابن رشد (ت 1198م) في فصل الفلسفة والعلوم التجريدية، عن الدين وبالتالي فصل التفسيرات الشخصية للنصوص الدينية عن أمور الفلسفة والعلوم، والسبب وراء ذلك هو الدفع نحو حرية التفكير (خاصة الفلسفي) بعيداً عن الرقابة الدينية( ).


والعلمانية كما ذكرها أرنست كاسبر في كتابه (فلسفة التنوير) هي أيديولوجية ظهرت بعد النهضة الأوروبية وولدت في رحم الحركة التنويرية.


ينظر علماء الاجتماع إلى العلمانية من أبعادها الاجتماعية والسياسية في حين أنّ علماء السياسة ينظرون إليها من زاوية ثنائية الدين والسياسة وعلامة الكنسية بالدولة وهذا هو البعد الذي يهمنا في بحثنا.


إذا هي رؤية تقرر أنّ الإنسان غني عن القيم الدينية والمعنويات وعلاقة وتعاليم الوحي( ) والعلمانية ليست غير دينية وحسب إنما تنتمي للآن وهنا، هذا الزمان والمكان وزمنية العلمانية هي صفة لصيقة بها منذ البداية( )، بالرغم من خروج مصطلح (علمانية) من رحم التجربة الغربية إلا أنه انتقل إلى القاموس العربي الإسلامي، مثيراً للجدل حول دلالاته وأبعاده، والواقع أن الجدل حول مصطلح (العلمانية في ترجمته العربية بعد إفرازه طبيعياً لاختلاف الفكر والممارسة الغربية عن الإسلامية التي أنتجت هذا المفهوم لكن ذلك لم يمنع المفكرين العرب بشأن تعريف مصطلح العلمانية على سبيل المثال: يرفض المفكر المغربي (محمد عابد الجابري) تعريف مصطلح العلمانية باعتباره فقط فصل الكنيسة عن الدولة لعدم ملاءمته الواقع العربي الإسلامي ويرى استبداله بفكرة الديمقراطية حفظ حقوق الأفراد والجماعات والعقلانية( ).


مراحل العلمانية أو (صورها)


ذهب البعض إلى أنّ الفكر العلماني الأوروبي مرّ بمرحلتين:


1ـ المرحلة أو (الصورة) الأولى: مرحلة العلمانية المعتدلة، العلمانية غير الملحدة وهي علمانية لا تنكر وجود الله وتؤمن به إيماناً نظرياً لكنها تنكر تدخل الدين في شؤون الدنيا وتنادي بعزل الدين عن الدنيا.


وهي مرحلة القرنين السابع عشر والثامن عشر واعتبر الدين فيه أمراً شخصياً.


والتفكير العلماني في هذه المرحلة وإن طالب بتأكيد الفصل بين الدولة والكنيسة إلا أنه لم يسلب المسيحية كدين من كل قيمة لها. وإن كان ينكر فيها بعض تعاليمها، ويطالب بإخضاع تعاليم المسيحية إلى العقل، وإلى مبادئ الطبيعة مما نشأ عنه المذهب المعروف باسم مذهب الربوبيين، وهو مذهب يعترف بوجود الله كاصل للعالم، ولكنه ينكر الإعجاز والوحي وتدخل الله في العالم.


ومن دعاة هذه المرحلة: فولتير (1694 ـ 1713م) في فرنسا، وشفتسيري (1671 ـ 1713م) في انكلترا، وليسنج (1729 ـ 1781م) في ألمانيا، والفيلسوف الإنجليزي جون لوك (1632 ـ 1714م)، وهوبز (1588 ـ 1678م)، وديكارت، وبيكون، وسبينوزا، وجان جاك روسو.


2ـ المرحلة أو (الصورة) الثانية: العلمانية الملحدة: تنكر وجود الله الخالق، ولا تعترف بشيء من ذلك.


وهي مرحلة العهد المادي أو ما يسمى بالثورة العلمانية، وهي مرحلة القرن التاسع عشر وما بعده، وعلمانية هذه المرحلة هي مرحلة إلغاء الدين ـ أي دين إلغاءً كلياً وعدم الإيمان بالأمور الغيبية، وليس فصلاً بينه وبين الدولة كما هو المفهوم في المرحلة الأولى، واعتبار أن الموجود الحقيقي هو المحسوس فقط، والدافع عليها هو الاستئثار بالسلطة، ولذلك كانت العلماني غير مساوية لمفهوم الفصل بين الكنيسة والدولة، بل كانت إلغاء للدين كمقدمة ضرورية إلى السلطة المنفردة التي هي سلطة جماعة العمل أو المجتمع أو الدولة أو الحزب حسب تحديد بعض الشيوعيين اليساريين.


ومن دعاة هذه المرحلة: هيجيل وفيرباخ وكال ماركس( ).


الأسس النظرية للعلمانية:


1ـ العقلانية: فمن الأسس النظرية للعلمانية: العقلانية (rationalism) التي تنطلق من أصالة العقل، ومرجعيته المطلقة. أو العقلانية العنيفة والمفرطة، أي الاعتقاد بأنّ للعقل القدرة على إدارة الحياة البشرية وتدبيرها بمفرده وبمعزل عن الوحي والدين والتعاليم الإلهية. مبدأ أساس من مبادئ العلمانية.


2ـ الأنسية: أما الركن الآخر للعلمانية فهو النزعة الأنسيّة (Humanism)، القائمة على مبدأ أصالة الإنسان، وكون الإنسان مركز الوجود، وخالق لجميع الفضائل ومبدعها، فلا قيمة للفضائل والأخلاق ما لم ترتبط بالإنسان وعمله وتؤول إليه. وحسب هذا الرأي فإنّ القيم الأخلاقية والأوامر والنواهي وأسلوب الحياة والفضائل والرذائل لا ينبغي تعلمها من الوحي وأخذها من عالم الغيب، ولذلك لعدم وجود مثل هذا العالم، وعلى فرض وجوده، فلا حاجة للإنسان إليه، لأنّ الفضائل صنيعته هو.. ولا حاجة لتعاليم الأديان وتدخل الوحي وعالم الغيب في تعيين حسن أمر أو فعل وقبحهما، وحسب الإنسان في تنظيم شؤون حياته ومجتمعه أن يعتمد على العقل الجمعي وتوافق أفراد مجتمعه والتخطيط العلمي والعقلاني والدقة في التقدير واستخدام الأساليب والنظريات العلمية في الإدارة. فالعقل قادر بمفردة على أن يميز بين الحسن والقبيح، والفضيلة والرذيلة، وأن يحدد لنا أيها مطلوب وأيها مرفوض.


3ـ النسبية: الأساس النظري الآخر للعلمانية هو النسبية (Relativism) على الصعيدين الأخلاقي والمعرفي.


وقد استند العلمانيون، في تسويغهم للنسبية الأخلاقية والمعرفية، إلى إمكانية خطأ الإنسان ومحدودية فهمه وإدراكه. وتقوم هذه النظرية، التي يعبر عنها بـ (التخطئة) أيضاً، على افتراض أنّ الإنسان موجود محتمل الخطأ والزلل، ذو إدراك محدود، وعليه فلا تتوقّع وترتجى إلوهيته. وقد تسرب الخطأ والتقييد إلى إدراكه وفهمه، فأصاب معرفته على جميع الأصعدة بالنسبية والقصور والضيق، وبالتالي تقصر معرفة كهذه عن بلوغ مستوى التقديس. وما جاء في بعض الكتابات من أنّ المعرفة الدينية معرفة بشرية، وما كان ذا حيثية بشرية فهو عرضة للنقد والخطأ والنسبية والمحدوديّة ودون مستوى التقديس، إنما ينطلق من تلك الرؤية نفسها المخطئة للإنسان، رغم أن القائل بذلك يختلف مع العلمانيين في سائر مبانيهم الفكرية.


4ـ القطيعة مع التراث: ومن أسس الأيديولوجية العلمانية ومبادئها مخالفة التراث ومكافحته (anti-traditionalism) ونبذه، والإقبال ـ في مقابل ذلك ـ على كل ما هو جديد، وبعبارة أخرى، فإنّ التجديد والحداثة (Modernism) من السمات الملازمة للعلمانية التي لا تنفك عنها. فهي من جهة تكافح التراث وتسعى لتجاوزه، وتعمل من جهة أخرى على ترويج التجديد والحداثة ونشرهما( ).


أسباب ظهور العلمانية وظروف نشأتها في الغرب ويشتمل على ما يلي:


نشأت العلمانية نتاج صراع مرير ومخلفات عقود من المعاناة عاشها الغرب المسيحي في ظل أوضاع غاية من التخلف والقسوة وارتباط تلك الأوضاع المأساوية بالدين، فقد غدت الكنيسة في الغرب المسيحي مصدراً للظلم ومصدراً للجهل وانتشار الخرافة والدجل وأصبح رجال الدين (الأكليروس) عبئاً ثقيلاً وكابوساً مريعاً يسومون الناس سوء العذاب فكرياً ومالياً وجسدياً، فقد كانت الكنيسة سنداً قوياً لرجال الإقطاع، فالعلمانية كانت حلاً إجرائياً للسيطرة على مشكلة الصراعات الدينية.


فإذا أسباب ظهور العلمانية ونشأتها يشتمل على ما يليرجال دين


Iـ طغيان رجال الكنيسة.


فقد شمل طغيان الكنيسة النواحي التالية:


أ ـ الطغيان الديني. ب ـ الطغيان السياسي ج ـ الطغيان المالي.


أ ـ الطغيان الديني: منذ مجمع نيقية سنة 325 والكنيسة تمارس الطغيان الديني في أبشع صورة، فالأحكام التشريعية معظمها أوامر وقرارات الكنيسة البابويه، ما أنزل الله بها من سلطان، وهي تحلل وتحرم من غير أن يكون لها مستند من كتاب الله( ).


وإذا انتقلنا إلى جانب الخرافة فنجد أن الكنيسة وقد رسخت في الناس الخرافة باسم الدين، فهناك صكوك الغفران التي يشتريها العامة مرغمين في بعض الاحيان التي بمقتضاها تزعم الكنيسة أنه يغفر للإنسان ما تقدم من ذنبه وما تأخر به.


فالمجمع الثاني عشر المعروف باسم مجمع لاتيران سنة 1215م قرار يمنح البابا حق امتلاك الغفران.


ب ـ الطغيان السياسي: لقد هيمن الطغيان السياسي بشكل قوي تلك الفترة وخاصة أن سلطة البابا السياسية كانت مهيمنة على السلطة السياسية حتى أنه كان يستطيع أن يتوج الملوك والأباطرة، وأن يخلفهم إذا نازعوه ورفضوا أوامره.


مثلاً: البابا (جريجوري) السابع خلع الامبراطور الألماني هنري الرابع.


مارست الكنيسة الطغيان السياسي: فقد تحول رجال الدين إلى طواغيت ومحترفين سياسيين يمتلكهم شهوة عارمة للتسلط ورغبة شرهة في الاستبداد، جاء في البيان الذي أعلنه البابا (نقولا الأول) قوله:


«إنّ ابن الله أنشأ الكنيسة بأن جعل الرسول بطرس الأول رئيساً لها وإن أساقفة روما ورثوا بطرس في تسلسل مستمر، فإنّ البابا ممثل الله على الأرض يجب أن تكون له السيادة العليا والسلطان الأعظم على جميع المسيحيين حكاماً كانوا أو محكومين».


ج ـ الطغيان المالي: يقول ول ديوارنت أصبحت الكنيسة أكبر ملاك الأراضي وأكبر السادة الإقطاعيين في أوروبا فبيتر كان ديراً فلذا مثلاً يمتلك (15000) مقر صيفي وكان دير (سانت جول) يمتلك (2000) من رقيق الأرض، فالكنيسة في انكلترا تمتلك 1/4 من الأراضي( ).


وكذلك برغم من نهي الأناجيل عن اقتناء الثروة والمال إلا أنّ الكنيسة كانت تحاول احتلال الكثير.


انجيل متى: «لا تقتنوا ذهباً ولا فضة ولا نحاساً في مناحقكم، ولا مزوداً للطريق ولاثويين ولا أحذية ولا عصا»( ) وبالرغم من هذا النداء إلا أنّ الكنيسة كانت تحاول جاهدة إلى جمع المال والاستكثار من الثروات.


ومن أبرز طغيان الكنيسة المالي فرضها للهبات والعطايا والضرائب (العشور) والعمل بالسخرة لديها وفي أراضيها.


فالكنيسة كانت صاحبة السلطة طوال القرون الوسطي في أوروبا وما نتج عنها دفع الأوروبيين لتوطيد فكرة العلمانية وذلك من جراء الحروب الدينية بينهم وبين الكنيسة، فجاءت معاهدة وستفاليا (1648) تؤكد على فصل الدين عن الحياة السياسية.


II ـ الصراع بين الكنيسة والعلم:


لقد كان الصراع بين الكنيسة والعلم مستمر في القرن السابع عشر والثامن عشر ومطلع العصر الحديث وهو يعتبر من أعمق وأعقد المشكلات في تاريخ الفكر الأوروبي.


فقد نكلت الكنيسة بكل من يخالفها المعتقد واتهمتهم بالهرطقة والكفر فعندما برزت بعض النظريات المناهضة لما تقول به الكنيسة مثل:


النظرية المتعلقة بحركة الأرض وكرويتها فقد وقفت الكنيسة بوجه تقدم العلم عندها ولد في نفوس الناس شعوراً عارماً باحتكار الدين والنفور منه فظهرت العلمانية كإطار علمي في البعد عن سلطان الكنيسة( ).


وأيضاً من أهم الحركات التي وقفت ضد الكنيسة حركة مارتن لوثر، فقد حطمت الوحدة الشكلية للعالم الغربي وأضعفت سلطة الكنيسة المركزية.


III الثورة الفرنسية 1789م


لقد كانت الثورة الفرنسية فاتحة عصر جديد ضد الكنيسة والملاك الإقطاعيين.


فقد نتج عن هذه الثورة نتائج بالغة الأهمية فقد ولدت أول مرة في تاريخ أوروبا المسيحية دولة جمهورية علمانية لا دينية تقوم فلسفتها على الحكم باسم الشعب وليس باسم الله وعلى حرية التدين بدلاً من الكثلكة وعلى الحرية الشخصية بدلاً من التقيد بالأخلاق الدينية وعلى دستور وضعي بدلاً من قرارات الكنيسة وقد كان نجاح الثورة الفرنسية حافزاً قوياً لبقية الشعوب( ).


من بعدها انتهت العصور الوسطى (عصر الظلام وتحكم الكنيسة) لينتج عصر الأنوار على مقولة كانط الشهيرة: «إخراج الإنسان من حالة القصور المسؤول عنها وحده دون غيره». وقد اعتبرت الثورة بأنّ الدين والكنيسة المصدر الأعظم لكل الشرور السياسية والاجتماعية ويجب التخلص منها، فلذا كان على الإنسان أن يخوض معركة ضارية ضد مصدر الشرور أي الدين عموماً والكنيسة لينتقل من طور العجز إلى طور الحرية( ).


عوامل انتقال العلمانية إلى العالم الإسلامي


بدأت فكرة العلمانية تغزو العالم الإسلامي في بداية القرن العشرين وذلك على أنقاض الخلافة العثمانية ثم سرت إلى أكثر بلدان العالم الإسلامي وكانت هناك عدة عوامل رئيسية ساعدت على ظهور انتقال العلمانية إلى العالم الإسلامي أهمها:


1ـ الاستعمار الغربي: لقد سيطر الغرب على عديد من الدول الإسلامية مثلاً سيطرت فرنسا على مصر (على يد نابليون) 1798 ـ 1801 م محاولة نشر ثقافتها، وكذلك احتلال هولندا للأندونيسيا جزر الهند الشرقية في بداية القرن السابع عشر عن طريق شركة الهند الهولندية التي تأسست سنة 1602م استيلاء الإنكليز بصورة كاملة على الهند سنة 1857م وحكمها المباشر.


وقد شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي سيطرة الاستعمار الغربي على جميع العالم الإسلامي، محاولة منها في بث ثقافتها وأيديولوجيتها في العالم الإسلامي ومن خلال ذلك دخلت العلمانية إلى المجتمع الإسلامي، وقد تم نشرها من خلال:


حصر التعليم الديني، نشر المدارس الأجنبية في البلاد الإسلامية( ).


2ـ الغزو الفكري: بعدما نجح الاستعمار في الدخول إلى ثقافة الدول الإسلامية بدأ الغزو الثقافي فقد غزت النظرية المادية مؤسسات التعليم والثقافة من جهة، فأحكمت سيطرتها عليها، وتسللت إلى مؤسسات التشريع والقضاء من جهة أخرى( ).


فقد دخلت العلمانية إلى الفكر الإسلامي من خلال عدة مفاهيم منها: التمدّن، الحداثة، التعبير الاجتماعي والتحضر( ).


3ـ المستشرقون: لقد أثر المستشرقون في الفكر العربي الإسلامي وذلك من خلال التدريس الجامعي، وأيضاً من خلال التأليف في شتى مجالات الدراسات العربية.


ومن أبرز الكتب التي كتبها المستشرقون:


ـ دائرة المعارف.


ـ قاموس المنجد.


ـ الموسوعة الغربية الميسرة.


4ـ البعثات إلى الخارج: ذهاب الطلاب من أبناء المسلمين إلى دول أوروبا كما حصل في مصر خلال عهد نابليون فتم إرساله بعثات إلى فرنسا لاكتساب ثقافة جديدة تساعد في تطور الفكر العربي ومن أبرز مفكري عصر النهضة الذين تأثروا بالفكر الأوروبي وحاولوا تطبيقه عندما عادوا إلى مصر الطهطاوي الذي ترجم الدستور الفرنسي، ومحمد عبدو الذي حاول تجديد الدين.


5ـ الشيوعية: ظهور كاسح للحركة الشيوعية في مختلف البلدان العربية (فقد كانت الشيوعية مساندة للقومية العربية مثلاً خلال فترة حكم جمال عبد الناصر في مصر/ وقف الشيوعيين بجانب المصريين).


ما الفرق بين الدولة العلمانية والدولة الدينية:


اعتبر الشيخ محمد مهدي شمس الدين في إحدى مقالاته بأنّ الدولة العلمانية تقوم على أمرين متكاملين هما:


ـ مصدر الشرعية في السلطة السياسية.


ـ التشريع الدستوري والقانوني في الدولة.


بالنسبة إلى الأمر الأول تعني العلمانية أنّ الشرعية التي تخول السلطة السياسية أن تحكم المجتمع وتسيّره وفقاً لمفاهيمها وخططها ليست مستمدة من الله. أي أنها ليست مستمدة من الدين، فالله أو الدين ليس مصدراً للشرعية التي تتمتع بها السلطة السياسية في الدولة العلمانية.


ولا تتوقف شرعية السلطة السياسية على أن تنال اعترافاً بها من السلطة الدينية.


وهذا في مقابل ما كان يسود في العصور الوسطى المسيحية من كون السلطة السياسية في الدولة امتداد للسلطة الدينية في الكنيسة ولا تنال السلطة السياسية شرعيتها وتبريرها إلا عن طريق اعتراف السلطة الدينية بها.


بينما أصبح مصدر الشرعية في الدولة العلمانية هو الشعب وقد اعتبر بأنّه هو مصدر السلطات. فلذا هو يعطي الشرعية للسلطة السياسية.


أما بالنسبة إلى الأمر الثاني تعني العلمانية لدى دعاتها أن يقوم التشريع الدستوري والقانوني في المجتمع والدولة على أساس غير ديني، ويشتمل ذلك على مجالات التشريع بما فيها مجال الأموال الشخصية للفرد والعائلة من زواج ونفقات ومواريث وما يتفرع من ذلك ويعود إليه.


فإذن الدولة العلمانية وجوهرها يقوم بأن تكون شرعية السلطة السياسية فيها مستمدة من الشعب ومن ثم فإنّ هذه السلطة لا تستمد شرعيتها من الله، وأن يكون تشريعها قائماً على أسس غير دينية( ).


وكذلك اعتبر جورج طرابيشي بأنّ الدولة الحديثة الناجزة هي الدولة العلمانية وينجم عن ذلك أن العلمانية هي في جوهرها مسألة سياسية، لا مسألة دينية، وهذا معناه أنها مسألة تابعة للدولة لا للدين( ).


إما مواصفات الدولة الدينية فهي سيطرة رجال الدين، وهذا يعني أن هذه الفئة تدعي لنفسها حقوقاً استثنائية على سائر الناس، وهذا الوضع يتيح لرجال الدين أن يتحكموا بمصائر الناس بسبب قدرتهم الاستثنائية على التأثير السياسي وهذا مخالف لفكرة العدالة، وإنّ الدولة الدينية لا تتمتع بالقدرة على التطور لأنّ قوانينها ثابتة متحجرة، لأنّ الدين عند أتباعه يمثل الحقيقة المطلقة والنهائية غير القابلة للتغير.


كذلك يستحيل إقامة دولة دينية في مجتمع تتعدد فيه الطوائف، وإذا وجدت تنتفي العدالة بين مواطنيها.


وإن الدولة الدينية تقوم على النصوص المقدسة.


والفرق بين الدولة العلمانية والدولة الدينية بأن الأولى تنادي إلى فصل ما بين الدين والدولة في حين تجعل الثانية مرجعية الحكم منفرط بمدى مطابقة نصوص دينية مقدسة وتفسيراتها، ومن أبرز سمات الدولة الدينية هي العلاقة التكاملية ما بين أنظمة رجال الدين الكهنوتية ونظام الحكم.


وكان الحل هو التحول من الدولة الدينية إلى الدولة العلمانية (لا دينية) وذلك لاحتواء وإخماد التنازع ما بين أصحاب الديانات أو المذاهب المختلفة في الدولة الواحدة فتكون مرجعيتهم الدستور والقانون والمدني بدلاً من الكتاب المقدس.


إنّ حركة العلمنة هي مولود طبيعي لصعود القوى السياسية المراهنة على ضبط حركة الكنيسة والحد من سلطان الدين ولقد تناولنا في هذا البحث بالدرس والتحليل لموضوع العلمانية كيف ظهرت؟ وكيف انتقلت إلى الإسلام؟


ليس الغرض من هذا البحث التقاء مفهوم الإسلام والعلمانية بقدر ما أنه عرض تاريخي لمفهوم العلمانية.


ولكن يبقى السؤال المفتوح: هل العلمانية كانت حلاً جذرياً لمشكلة العلاقة بين الدين والدولة؟ أو أنّ هناك علاقة بين العلمانية والاستبداد، وهل تلك الدولة الكبرى التي نادت بالعلمانية والحداثة لم تستخدم علمانيتها بشكل مستبد؟


فإنّ أساس الخلاف بين الدولة العلمانية والدولة لا دينية لا يعود إلى أنّ الدولة الدينية تراهن على إقامة سلطة سياسية مطلقة تتأسس على الغيبيات النافية لدور البشر، مقابل دولة علمانية تنادي بحقوق الإنسان وبإقامة سلطة زمانية نسبية بل إنّ أساس المشكلة يكمن في التأسيس النظري لكل منهما وتحديداً دور المبادئ الدينية في توجيه الحياة الخاصة والعامة.

أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS