- المصالحة المصرية التركية المرتقبة ستكون بداية جديدة نحو تدشين تحالف استراتيجي يضم السعودية- تركيا –مصر؛ تحالف قادر على مواجهة التحديات الإقليمية التي تهدد أطراف الثالوث الجديد، والتي من خلال عملها المشترك يمكنها مواجهة هذه التحديات بشكل أكثر نجاعة .

الخميس, 12-مارس-2015 - 07:04:11
الاعلام التقدمي - وكالات -
المصالحة المصرية التركية المرتقبة ستكون بداية جديدة نحو تدشين تحالف استراتيجي يضم السعودية- تركيا –مصر؛ تحالف قادر على مواجهة التحديات الإقليمية التي تهدد أطراف الثالوث الجديد، والتي من خلال عملها المشترك يمكنها مواجهة هذه التحديات بشكل أكثر نجاعة .


ظلت العلاقات بين كل من مصر وتركيا والمملكة العربية السعودية على المستوى الثنائي حجر زاوية مهم فى منظومة العلاقات الاقليمية والدولية لما تمثله كل دولة من أهمية استراتيجية فى محيطها الإقليمي وتأثيرها على مجريات الأحداث فى منطقة الشرق الأوسط، كما كانت تلك العلاقات لعقود طويلة جزء أصيل من مكونات تلك المنطقة المتشبعة بالصراعات والنزاعات العرقية والدينية والقومية.


لعب هذا الثالوث الإقليمي دوراً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً فاعلاً خلال السنوات الماضية بفضل مكانتهم الاقليمية، فنجد المملكة العربية السعودية دورها السياسي والاقتصادي مؤثراً فى منطقة الخليج العربي، ويتخطى نفوذها الاقتصادي حدودها الإقليمية. أما مصر فتأثيرها التاريخي والسياسي ما زال بارزاً فى محيطها العربي والأفريقي ودورها فى الصراع العربي الاسرائيلي يمنحها الريادة الإقليمية. بينما تركيا فتعتبر بمثابة البوابة الإسلامية للقارة الأوربية والبوابة الرسمية للعالم الإسلامي نحو العالم الغربي، ودورها العسكري والسياسي يتزايد يوما بعد يوم فى منطقة شرق حوض البحر المتوسط، ويتنامى دورها الاقليمي بفضل إنضمامها لحلف شمال الاطلسي "ناتو".  ظل التفاهم والتحالف بين المثلث التركي –المصري –السعودي محل اهتمام القوى المعادية له منطقة الشرق الأوسط، وبخاصة من جانب الخصوم التقليديين، إيران وإسرائيل.


تم ترجمة التحالف الوثيق بين أطراف هذا الثالوث من خلال التعاون الوثيق على كافة المستويات السياسية، العسكرية والاقتصادية، عكست عمق العلاقات العميقة فيما بينها، ولم تقتصر فقط على الحكومات والأنظمة الحاكمة، بل كانت أكثر عمقاً على المستوى الجماهيري والشعبي. ويمكننا رصد تعاظم العلاقات بين أطراف الثالوث السعودي- التركي- المصري  من خلال الأرقام المرتفعة على المستوى الاقتصادي؛ فنجد على مستوى العلاقات السعودية-التركية  بأنها اتسمت بجانب كونها علاقات عميقة ومبنية على أسس تاريخية وإسلامية، اتضحت جلياً بدورهما الفاعل في قضايا الأمة الإسلامية من خلال منظمة المؤتمر الإسلامي، لكنها في العشر سنوات المنصرمة ارتفع حجم التبادل التجاري من نحو مليار ونصف إلى أكثر من 7 مليار دولار ، وامتد هذا التعاون إلى الجانب العسكري الذي تُرجم باتفاقية دفاعية - صناعية وقّع عليها خادم الحرمين الملك سلمان حين كان ولياً للعهد في مايو 2013.


 أما العلاقات التركية المصرية فكانت فى تصاعد مستمر حتى فى فترة حكم الرئيس المصري السابق حسني مبارك ورجب طيب أردوغان حينما كان رئيساً للوزراء فى تركيا حيث بلغ التبادل التجاري بين البلدين منذ عام 2009 حتى النصف الأول من 2012، نحو ـ4 مليارات دولار ، وتقدر الصادرات المصرية إلى تركيا بـ1.5 مليار دولار تتمثل في السماد والرمال والكيماويات والملابس الجاهزة والملح والبولي إثيلين، وتقدر الواردات المصرية من تركيا بحوالي 2.6 مليار دولار، وعلى رأسها السيارات والحديد والفواكه والخضر والمنسوجات، ويقدر حجم الاستثمارات التركية في مصر 2.2 مليار دولار من خلال المصانع التركية في المناطق الصناعية بمدن 6 أكتوبر وبرج العرب. فى حين اتسمت العلاقات بين المملكة العربية السعودية ومصر بأنها العلاقات الأكثر عمقا وارتباطاً فى العالم العربي على كافة المستويات الحكومية والشعبية.


توازن إقليمي


أُعتبر المثلث السعودي-التركي- المصري لسنوات طويلة مصدراً للاستقرار والهدوء فى منطقة الشرق الأوسط  وعنصر أساسي فى إحداث التوازن الإقليمي فى مقابل تعاظم دور دول محور الشر طبقاً للوصف الأمريكي السائد منذ بداية القرن الحادي والعشرين. كما كان هذا الثالوث الإقليمي بمثابة حائط الصد أمام كثير من موجات العنف الشديدة التي كانت تجتاح المنطقة على فترات متباينة، وكان التناغم فى مواقف الدول الثلاث سبباً جيداً فى تخطي فترات عاصفة شهدتها منطقة الشرق الأوسط؛ إلى أن هبت على المنطقة رياح الربيع العربي، والتي تسببت فى إحداث إنشقاقات بالغة الوضوح بين أطراف المثلث، بلغت ذروتها فى العلاقات المصرية-التركية حينما تم عزل الرئيس المصري السابق، محمد مرسي، من منصبه وتولي وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي مقاليد الحكم فى مصر.


إدراكاً للأهمية البالغة التي تمثلها الدول الثلاث فى مواجهة التحديات المتصاعدة فى المنطقة، لا سيما بعد تعاظم التهديدات التي يمثلها تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" ، قامت المملكة العربية السعودية مؤخراً باستضافة رؤساء مصر وتركيا فى زيارة متزامنة لهما للعاصمة الرياض. ورغم ما تم تداوله بشأن أن زيارة الزعيمين للسعودية ليس لها أي صلة بالمصالحة المصرية التركية، وأن مباحثاتهما مع المسئولين السعوديين لم تطرق إلى هذا الموضوع، غير أن تصريح الرئيس التركي أردوغان التي قال فيها :"  أن مصر والسعودية وتركيا هم أهم ثلاث دول بالمنطقة، وهناك واجبات تقع على عاتقنا جميعا لتحقيق السلام والرفاهية فيها.. ولو أن كل الدول أدركت ما يقع على عاتقها من مهام لوصلنا لنتائج أفضل مما نحن عليه الآن بكثير". بينما سبق للرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، أن صرح قبيل زيارته للرياض بأنه لم يصدر من مصر أي تصريح رسمي فيه إساءة ضد تركيا، وإنه يؤمن بأن (البقاء للعلاقات بين الشعوب)، تعكس وجود رياح جديدة قد تبث الحياة مجدداً فى جسد الثالوث الإقليمي السعودي- التركي- المصري.


المصالحة فى مواجهة التهديدات


إذا وضعنا هذين التصريحين جنباً إلى جنب، سنلمس وجود تحرك حقيقي برعاية المملكة العربية السعودية نحو تحقيق المصالحة بين القاهرة وأنقرة وإنهاء حالة الجمود السياسي بين حكومتي البلدين، رغم نفي واستبعاد كل من السيسي وأردوغان لذلك. تلك المصالحة التي تدرك الرياض أهميتها وبُعدها الاستراتيجي على المستويين الإقليمي والدولي تسعى بكل ما تمتلكه من قدرات سياسية، وما لها من رصيد تاريخي فى العلاقات مع القاهرة وأنقرة وتحت قيادة العاهل السعودي الجديد الملك سالمان بن عبد العزيز، إلى وضع حد للخلاف المصري التركي، وضرورة عودة العلاقات بينهما إلى سابق عهدها، فى مواجهة التهديدات الإرهاببة من جهة والتي يمثلها تنظيم داعش، ومواجهة التمدد الشيعي من جهة ثانية والذي تقوده إيران، ومواجهة ظهور قوميات عرقية جديدة فى منطقة الشرق الأوسط على رأسها الدولة الكردية.


على ضوء ذلك يمكننا إجمال التهديدات الإقلمية التي تواجه الثالوث السعودي التركي المصري، والتي تتطلب تضافر جهود أطرافه وبناء تحالف جديد قادر على مواجهتها :


المحور الأول : التهديد الداعشي


خلق ظهور تنظيم الدولة الإسلامية على سطح الأحداث الملتبهة فى منطقة الشرق الأوسط، لا سيما فى سوريا والعراق، ومن بعد ذلك فى مصر وليبيا، نوع جديد من التهديدات الإرهابية لدول المنطقة، وأصبح تحد خطير أمام الثالوث السعودي- التركي- المصري، بعدما خلط التنظيم المتطرف الأوراق على الساحة السورية، وجاهر بتهديده لمصر بعد تغلغل عناصره إلى شبه جزيرة سيناء وإنضمام أنصاره إلى التنظيمات الجهادية المتطرفة المسلحة فيها، بل وتطويق تنظيم الدولة الاسلامية للنظام المصري عبر حدوده الغربية من خلال البوابة الليبية، وبخاصة بعد إعدامه لواحد وعشرين مصرياً من العاملين فى ليبيا.


الخطر الداعشي وأن يبدو بعيدا عن الحدود التركية والسعودية غير أن أفكاره وأنصاره ليسوا عنها ببعيد، وهو ما يتطلب ضرورة توحد الثالوث السعودي- التركي المصري فى مواجهة التهديد الداعشي، وبخاصة داخل سوريا وليبيا، ولدول الثالوث مصالح كبيرة ومتشابكة فى هاتين الدولتين، لا يمكن الحفاظ عليها سوى بالتعاون المثمر بين أطرافه لمواجهة التهديد المشترك وهو "داعش".


المحور الثاني : التمدد الشيعي


يمثل التمدد الشيعي الذى تقوده إيران فى منطقة الشرق الأوسط، وبرعاية خاصة من الولايات المتحدة الأمريكية، التي باتت ترى أيران ورقتها الرابحة حالياً فى المنطقة، تهديداً حقيقياً لدول الثالوث السعودي-التركي المصري، وهذه المرة المملكة العربية السعودية هى أحد أطراف الثالوث المواجه لهذا التهديد الشيعي، الذي بات ينتشر بمخالبه فى أنحاء متفرقة من العالم العربي بداية من العراق مروراً بسوريا وانتهاء باليمن وإحداث القلاقل فى عدد من دول الخليج العربي وعلى رأسها السعودية، وتطويقه للدول السنية. الأمر الذي يتطلب ضرورة توثيق التحالف بين دول الثالوث السعودي-التركي- المصري فى مواجهة التمدد الشيعي، وهو ما كان محور اللقاءات الأخيرة التي عقدت فى الرياض بين العاهل السعودي وكل من الرئيس المصري والرئيس التركي، باعتبار أن الدول الثلاث أكبر دول سنية فى العالمين العربي والإسلامي.


المحور الثالث : القوميات الجديدة


صاحبت رياح الربيع العربي التي عصفت بمنطقة الشرق الأوسط، موجة ظهور قوميات جديدة على حساب سقوط دول كبرى، أبرز هذه القوميات، القومية الكردية، وبات أحلام الأكراد لإقامة وطن مستقل لهم على اجزاء من الأراضي العراقية والسورية، وسط حالة الفوضى السياسية التي تعاني منهما هاتين الدولتين. ظل حلم قيام الدولة الكردية أكبر تهديد امني يواجه الدولة التركية لسنوات طويلة، نظراً لتواجد أعداد كبيرة من الأكراد فى المناطق الحدودية المتاخمة لسوريا والعراق، وهو ما يشجعهم على الانفصال عن تركيا والانضمام للدولة الكردية الوليدة. كما أن قيام الدولة الكردية سيمثل تهديد لباقي أطراف الثالوث السعودي-التركي- المصري، لأنه سوف يشجع مزيد من الاقليات الأخرى لا سيما في مصر والسعودية على الانفصال عن الوطن الأمن وإقامة دولة مستقلة. كما أن قيام الدولة الكردية سيشجع على كيانات إخرى تنفصل عن الجسد العربي، مما سيسهم فى تمزقه وتشرذمه اكثر مما هو عليه فى الوقت الحالي. إذن مواجهة الدولة قيام الدولة الكردية يتطلب تعزيز التحالف بين الثالوث الاقليمي السعودي- التركي – المصري بهدف الحفاظ على الاستقرار والأمن الاقليمي فى منطقة الشرق الأوسط.


على ضوء ما سبق بات واضحاً أن المصالحة المصرية التركية المرتقبة ستكون بداية جديدة نحو تدشين تحالف استراتيجي يضم السعودية- تركيا –مصر؛ تحالف قادر على مواجهة التحديات الإقليمية التي تهدد أطراف الثالوث الجديد، والتي من خلال عملها المشترك يمكنها مواجهة هذه التحديات بشكل أكثر نجاعة .


أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS