- 
تميّز النصف الثاني من القرن التاسع عشر بظهور شخصيّات وحركات تنويريّة عدّة في مختلف الولايات العربيّة التي كانت تحت حكم السلطنة العثمانية، بل وحتى في تركيّة نفسها.

الخميس, 19-فبراير-2015 - 08:51:53
الإعلام التقدمي- طارق عزيزه -

تميّز النصف الثاني من القرن التاسع عشر بظهور شخصيّات وحركات تنويريّة عدّة في مختلف الولايات العربيّة التي كانت تحت حكم السلطنة العثمانية، بل وحتى في تركيّة نفسها. انشغلت تلك الحركات والشخصيات بصورة خاصّة بالسؤال الشهير: لماذا تقدّم الغرب وتأخّرنا؟! وهو ما سمّي لاحقاً "سؤال النهضة".

 ولعلّ إطلاق صفة (عصر النهضة) على المرحلة في الأدبيات العربية، ليس سوى نتيجة منطقيّة لنوعيّة الحراك الفكري التنويري واتجاهاته، والذي تبنّاه أعلام تلك الفترة وروّادها من تنويرييّ العرب الأوائل في التاريخ الحديثوروّج له وعملوا من أجله، وسط محيط الجهل والظلامية والتأخّر في المجالات كافّة، خصوصاً بعد قرون مديدة ثقيلة من الحكم العثماني المنتمي للقرون الوسطى.

كثيرة هي الأسماء التي ذاع صيتها واقترنت بها الدراسات والأبحاث التي تناولت "النهضة"، وتتبنّاها كتب التاريخ المدرسيّة الرسميّة، كرموز وعناوين لإرهاصات النهضة العربية مطلع القرن الماضي وأواخر القرن الذي سبقه، من أمثال : عبد الرحمن الكواكبي، بطرس البستاني، خير الدين التونسي، رفاعة الطهطاوي، محمد عبده وآخرين.

كثيرة أيضاً الأسماء التي كان حظّها من الشهرة أقلّ مقارنةً بمن ذكرنا، رغم أنّ بعضاً ممّن يكاد يطويهم النسيان هم المؤسّسون لما بنى عليه الأعلام المشاهير، وكان تأثيرهم واضحاً وجليّاً على من جاء بعدهم من الروّاد ونتاجاتهم.

نحاول في هذا المقال تسليط الضوء على رجلٍ كرّس حياته القصيرة زمنيّاً (37 عاماً)، والطويلة الممتدّة في تأثيرها وعطاءها، في خدمة التقدّم من خلال التنوير بالعلم والعقلانيّة، ومحاربة الجهل والتخلف الذي ساد عصره. إنّه فرانسيس مرّاش (1836 ـ 1873) ابن مدينة حلب السوريّة.

في عام (1850) وقعت في حلب انتفاضة شعبيّة ضدّ السلطة العثمانيّة، تشبه إلى حدّ ما ثورات (1848) في أوروبّة. تلخّصت مطالب انتفاضة حلب بمسألتين أساسيتين: إلغاء التجنيد الإلزامي المطبّق وقتها على المسلمين، وإلغاء الجزية التي كان يدفعها المسيحيون للسلطات العثمانية.

في تلك الفترة بالذات (1850) سافر فرانسيس مرّاش إلى باريس للمرّة الأولى مع والده المثقف المهتم بالشعر والأدب (فتح الله مرّاش)، حيث أقام فيها لأكثر من عام تعرّف فرانسيس خلاله عن قرب ـ وهو المتقن للغة الفرنسية في زمنٍ عزّ فيه على السواد الأعظم معرفة القراءة أو الكتابة في لغتهم الأم ـ إلى نتاج عصر الأنوار والنهضة الأوروبية، وتأثّر بها تأثّراً بالغاً رافقه مع عودته إلى حلب، حيث بدأ التبشير والدعاية للأفكار التي حملها معه من هناك. سيذكر في كتابه (رحلة باريس) أنّ عام (1950) كان "مفصلاً خطيراً" في حياته لما له من أثر على عمله الفكري.

يعود إلى فرنسا مجدّداً بعد ذلك بسنوات (1866) لدراسة الطبّ. لكنّه سيغادرها إلى حلب دون أن يتمكّن من إكمال دراسته بسبب إصابة أعصاب عينيه بالشلل، فيفقد بصره نهائياً إثر ذلك. منذ ذلك الوقت بدأ يملي على الآخرين لتدوين أفكاره التي نشرها في الكتب والمقالات، ذلك أنّ فرانسيس مراش خلال مسيرة حياته نشر في الصحافة التي كانت حينها في بداياتها الأولى في المنطقة العربية، وكان ينشر بشكل خاصّ في المنابر التي تتبنّى أفكاراً تنويرية كجرائد : (مرآة الأحوال) (الجنان)، (النحلة)، (الجوائب). كما نشر العديد من المؤلفات أبرزها (شهادة الطبيعة في وجود الله والشريعة) حلب 1861، (غابة الحق) حلب 1865 وهي كما يراها عدد من النقّاد أول رواية عربيّة، (المرآة الصافية في المبادئ الطبيعية) حلب 1865، (رحلة باريس) بيروت 1867، إضافة إلى ديوان شعر له بعنوان (مرآة الحسناء).

يضيق المجال في هذه العجالة عن الإحاطة بكامل تجربة فرانسيس مرّاش ودوره الفكريّ الرياديّ، لذا اخترنا تناول بعضٍ من ملامح التوجّه العقلانيّ والعلمانيّ في خطابه، سواء في مسألة الدين أو في المسألة الوطنية، إضافة إلى موقفه المتميز من قضيّة تحرّر المرأة.

ينتمي فرانسيس مرّاش إلى أسرة مسيحية من طائفة الروم الملكيين. وعلى اعتبار أنّ المسيحيين كانوا في وضعية اجتماعية أكثر سوءاً من نظرائهم المسلمين في ظلّ دولة الخلافة الإسلامية ـ العثمانية، فقد كان التمييز ضدّهم يبدو جليّاً في تبوّء المناصب الحكومية أو في بعض مجالات النشاط الاقتصادي، وفي التضييق على ممارسة شعائرهم الخاصّة، ناهيك عن الضريبة/الجزية التي كانت تُجبى منهم فقط لأنّهم مسيحيون.

سبّب ذلك تعميق الانقسام الديني والطائفي المكرّس أصلاً من قبل سلطة الاستبداد، وتحوّلت "مجتمعات" الطوائف ـ وما أكثرها في المنطقة ـ إلى ما يشبه "الغيتوهات". عزّز ذلك نفوذ طبقة رجال الدين وسطوتهم بما لهذا من أثر في تكريس قراءاتهم وفهمهم للدين ونصوصه، وفرضها حتى بالقوة على أتباعهم المؤمنين، أضف لذلك التخلف والجهل السائد عموماً آنذاك لتكتمل الصورة المزرية للحال التي كانت عليه الأفكار السائدة.

لم يمنع هذا الوضع فرانسيس مرّاش بفكره النقديّ وعقله الحرّ من تناول وبحث مسائل كانت ـ ولا زالت ـ تُعدّ مقدّسة ولا يجوز المساس بها : "الكتاب المقدّس".

يرى مرّاش : "إنّ القول بربّ متنزّه عن إدراك الأفهام، مهتمّ دائماً بتدبير عموم تلك المخلوقات ومنه الحياة كانت وكلُّ به كان وبغيره لم يكن شيء ممّا كُوّن لا يكفي لتفسير الظواهر الكونية والطبيعية التي تفسرها قوانينها الخصوصية والعمومية". وزيادة في التوضيح يذهب إلى : "إنّ كلام التوراة على وجود النور إن هو إلاّ كلام تخبير مسند إلى أمر الله ولا كلام تعليل. . . ولمّا كان لكل ذي عقل حرية أن يتصرّف بتعليل الأشياء التي لا يوجد لها تعليل في كتاب منزل أذنت لنفسي أن أقول عن هذا العنصر اللطيف، إنّه صادر عن احتراق ذرات الأثير"، ما سبق جاء في سياق ردّه على اتهامه بالإلحاد من قبل الإكليروس في حلب بسبب مقالات نشرها في (الجنان) يتحدّث فيها عن "نظريّة النور" التي ظهرت في ذلك الحين وتبنّتها الأوساط العلمية في أوروبّة، وينتهي فرانسيس مرّاش من خلالها للقول بنفي "النور الإلهي" واعتبار "النور" هو فقط النور الطبيعي "يصدر عن احتراق ذرّات الأثير بين أسطحة الأجرام الفلكيّة بما يتأتّى من الحرارة لدى احتكاك هذه الأسطحة عندما تتثاقل مع بعضها بالجاذبية العامّة". هذه الاقتباسات ليست ترجمةً لنصوصٍ أوروبّية من عصر الأنوار، إنّها كتابات مثقّف سوريّ من القرن التاسع عشر!

إنّ الاقتراب من مسلّمات مقدّسة بهذه الجرأة العلميّة والرؤية النقديّة، في مجتمع متخلّفٍ ومتديّن، يؤكّد عمق اقتناع المفكّر بدوره التنويري، وأهميّة المواجهة والابتعاد عن مسايرة السائد ومجاملة طمأنينة المجتمع لمعتقداته البالية، كما يعكس مدى استيعابه لأسس النهضة الأوروبيّة وعلى رأسها ضرورة "الإصلاح الديني".

نشير هنا إلى كتابه (المرآة الصافية في المبادئ الطبيعيّة) الذي يتّضح من خلاله الوعي العقلانيّ لديه وأهمّية العلم في صياغة منهجه الفكري.

بالانتقال إلى جانب آخر لدى فرانسيس مرّاش نجد أن مفاهيمَ كـ: "المجتمع المدني"، "دولة التمدّن"، "الخير العام" و"الرابطة الوطنية" هي مفاهيم أساسيّة تتكرّر في معظم كتاباته، وهي دليل على تبنّيه لنظريّة "العقد الاجتماعي" لروسّو، حتّى أنّ الباحث (جمال باروت) وهو من أهمّ دارسي فرانسيس مرّاش يعتبره "يكاد يكون أوّل منوّر استوعب نظريتي ((الحقّ الطبيعي)) و((العقد الاجتماعي)) التنويريّتين على نحو منظوميّ مترابط ". ورغم انتماء المرّاش إلى عائلة مسيحية كما أسلفنا وخلافاً لنسبة لا بأس بها من المسيحيين الذين اعتُبروا أو اعتبروا أنفسهم تحت حماية الدول الغربية، تبعاً للامتيازات التي حصّلتها تلك الدول من السلاطين العثمانيين لحماية الأقلّيات المسيحيّة، إلاّ أنّ فرانسيس مرّاش بحسّه الوطني العالي كان يرفض هذه الحالة جملةً وتفصيلاً، وبحسب الأستاذ (باروت) فإنّ مرّاش يرى أنّه "ما دام الأجانب يستغلّون التناقضات المللية والمذهبية والطائفية كذرائع لتوسّعهم الاستعماري فإنّ حلّ هذه التناقضات بواسطة إرساء دعائم المجتمع المدني يفوّت عليهم هذه الذرائع". نعتقد أنّ في ذلك مؤشّر على أنّ المرّاش سبق عصره من حيث قدرته الملفتة على التمييز بين الغرب الذي أنتج قيم الحرّية والعدالة وحقوق الإنسان وأعلى من شأن العقل وبين الغرب المستعمر الذي أعمل نهباً واستغلالاً للبلدان المتخلّفة.

كما يربط مرّاش في كتابه (غابة الحقّ) الانتقال "من مملكة التوحّش والعبودية إلى التمدّن" حسب تعبيره بتطبيق "شرائع التمدّن وقوانينه" والتي من خلالها يتحوّل "مجتمع التوحّش" من "مجتمع فسيفسائي إلى مجتمع مدني"، لذا فهو يدعو إلى "محبّة وطنية منزّهة عن أغراض الدين"، وإحلال "حبّ الوطن" مكان "حبّ الملّة" أو "الرابطة الملليّة" كشرط أساسي يرتهن به تحقّق "التمدن". إنّها بلا شكّ أفكار تتبنّى بوضوح العلمانية والمواطنة التي ما نزال نجهد لتحقيقها.

وللمرّاش ريادة وأسبقيّة في إثارة موضوع تعليم المرأة كمقدّمة أولى لتحرّرها. يقول: "ولا يعتدّ بهؤلاء المتظاهرين بالتمدّن، إذا كانت رؤوس نسائهم تشعشع بأنوار الأحجار الكريمة ذات الثمن الوافر والعديمة الثمرة، ولم يكن في تلك الرؤوس أدنى شعاع العقل والأدب. بل يعتدّ بهم إذا رفعوا جميع تلك الظواهر الخيالية وأثبتوها للنفقة على تعليم نسائهم وتهذيبهنّ". وهو في كلامه لا يكتفي بالتنظير ثم يدير ظهره ليسلك نقيض ما يفكّر كمعظم مثقّفي هذه الأيّام، بل يقدّم نموذجاً في الانسجام بين الفكر والممارسة حين يدعم رغبة أخته ماريانا مرّاش (1849 ـ 1919) في متابعة دراستها في لبنان، لتعود فيما بعد إلى حلب و تفتح صالونها الأدبي وتصبح من الشاعرات المميّزات في عصرها.

في زمن الانحدار هذا الذي نعيش، يبدو أنّنا أحوج ما نكون إلى إعادة الاعتبار لتراث التنوير العربي الحديث، والتعريف بمبدعيه. أم أنّ التراث حكرٌ على خطاب معيّن وأوصياء غير معيّنين؟!
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS