- من يتجاهل الصيرورة التاريخية، ويتعامل مع الأحداث كنتاج راهن فقط، لن يصل إلى نتيجة علمية. هذا، مثلاً، ما يظهر في التعامل مع داعش، حيث بدا، وكأنها ظهرت فجأة من دون تاريخ

الأحد, 08-فبراير-2015 - 17:45:59
الإعلام التقدمي -

من يتجاهل الصيرورة التاريخية، ويتعامل مع الأحداث كنتاج راهن فقط، لن يصل إلى نتيجة علمية. هذا، مثلاً، ما يظهر في التعامل مع داعش، حيث بدا، وكأنها ظهرت فجأة من دون تاريخ، وباتت تشكّل كل الخطر الذي تشير إليه وسائل الإعلام، وزعماء الدول، وتحشد الحشود لمواجهتها، في سيناريو، لا يختلف عما حدث مع تنظيم القاعدة.


ليست داعش وليدة اليوم، بل هي استمرار لـ"الجهاد" الأفغاني. تشكلت في صيرورة التحولات التي حدثت في السنوات التالية لهزيمة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان من "المجاهدين" الذين قاتلوا في أفغانستان، ودعموا حركة طالبان في الصراع مع الكتائب الأفغانية الأخرى، ومن ثم، فرّوا عبر إيران وباكستان وصولاً إلى العراق.
وإذا كان أبو مصعب الزرقاوي قد مرّ عبر إيران، وصولاً إلى العراق، نهاية سنة 2004 مع مجموعة من "مقاتليه" الذين كان قد شكّل منهم "كتائب التوحيد والجهاد"، فقد انخرط في تنظيم القاعدة بعدئذ، وأسس "تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين"، وبالتالي، أخذ يستقبل "المجاهدين" انطلاقاً من ذلك.


لهذا، ليس ممكناً أن نفهم وضع داعش، من دون اعتبار أنها استمرار لتنظيم القاعدة، وهو أمر يفرض البحث في تشكيل هؤلاء "المجاهدين"، وفي كيفية تبلور هذه الظاهرة التي باتت "الخطر الأكبر" على الولايات المتحدة، كما تقول الأخيرة. طبعاً، يمكن دراسة سياق تبلور "الأفكار" التي تطرحها، ونشير إلى الفتاوى التي تستند إليها، وربما إلى "المرجعيات" الفقهية التي حكمت، وتحكم، مسيرة هؤلاء.


لكن، سيبدو ذلك كله ثانوياً، في سياق البحث في تشكّل التنظيم، وفي الدور الذي لعبة ويلعبه، قبل داعش ومعها. فمثلاً مَنْ قرَّر فتح صراع ضد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، بعد دخول الأخير إليها باسم الإسلام، هو الولايات المتحدة، بالتعاون مع السعودية وباكستان بالأساس. وتأسيساً على ذلك، صدرت فتوى عبدالله عزام التي تقول بـ"تحالف الإيمان ضد الإلحاد"، والتي جرى تعميمها على نشاط "الإخوان المسلمين" في كل المنطقة (بما في ذلك فلسطين). بالتالي، لا بد من الإجابة على سؤال: هل الفتوى هي التي تحدد السياسة، أم على العكس، السياسة هي التي تُنتج الفتوى؟


لا شك في أن كثرين من "الشباب المجاهد" هرعوا إلى أفغانستان، وكذلك لعبت تنظيمات مثل "الإخوان المسلمين" و"السلفيين" دوراً في "الحشد". ولكن، أيضاً، كانت أجهزة المخابرات هي التي تسهّل وتسهم في الحشد، ومن ثم تدرّب وتموّل وتسلح. وهذه التوليفة هي التي شكّلت ظاهرة "المجاهدين"، وليس البنى المحلية التي أنتجت هؤلاء، والتي لا تستطيع أن تتجاوز محليتها. لا من حيث الفتوى، ولا من حيث التدريب والتمويل والإعلام، والسياسة. فتلك البيئات المنتجة لا تعرف السياسة، وبالتالي، لا تستطيع تحديد سياق الحشد، ولا الهدف. لهذا، تهرع إلى الأماكن التي يركز عليها الإعلام، أو يفتي فيها "أمير" ما. لكن، سنلاحظ أن كل الفتاوى كانت تصبّ في خدمة سياسة أخرى، وينتهي الحشد حالما تنتهي الحاجة إليه.
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS