- الديموقراطية" مفهوم جذاب يخطب وده الجميع ويسعون الى وصاله بدءا من أهل السياسة وإنتهاءا بعلماء الاجتماع. وهو أيضا مفهوم لعوب تتعدد تعريفاته بقدر تعدد سياقات استخدامه. ...

الخميس, 29-يناير-2015 - 07:32:29
الاعلام التقدمي-السيد نصر الدين السيد -
الديموقراطية" مفهوم جذاب يخطب وده الجميع ويسعون الى وصاله بدءا من أهل السياسة وإنتهاءا بعلماء الاجتماع. وهو أيضا مفهوم لعوب تتعدد تعريفاته بقدر تعدد سياقات استخدامه. إلا انه يمكن تصنيف هذه التعريفات في مجموعتين رئيسيتين: مجموعة التعريفات "الوصفية" De-script-ive (أو الإجرائية Procedural) ومجموعة التعريفات "المعيارية" Normative (أو الإرشادية Pre-script-ive) التي تتضمن أفكار عما ينبغي أن يكون. وكمثال للمجموعة الثانية التعريف الذي ينظر للديموقراطية بوصفها "آلية صناعة القرار الجماعية بواسطة جماعة ما والتي تقوم على المساواة التامة بين كافة أفراد الجماعة المشاركين فيها". وكمثال لتعريفات المجموعة الاولي التعريف الذي يصف الديموقراطية بأنها "حكم الشعب لنفسه بنفسه ولنفسه". وهوتعريف بالغ العمومية والتجريد يتطلب تفعيله على ارض الواقع الإجابة على سؤالين. السؤال الأول هو عن الهدف الرئيسي الذي تسعي منظومة الديموقراطية لتحقيقه:
1.    هل هو اشراك "الشعب" في عملية اتخاذ القرارات المتعلقة بشئونه؟
2.    أو هل هو تكوين رأي عام يعبر عن تطلعات اغلب افراد المجتمع؟
اما السؤال الثاني فهو عن الوسائل التي يمكن استخدامها لتحقيق هذا الهدف:
3.    هل هي المشاركة المباشرة لأفراد الشعب؟

4.    أو هي مشاركة غير مباشرة عبر اختيار افراد الشعب لـ "ممثلين" ينوبون عنه في مراقبة وتقييم من يصدرون القرارات"؟

تشكل الإجابة علي هذه الأسئلة مجتمعة أسس "نموذج الديموقراطية" الذي تتبناه الأمة التي اختارت الديموقراطية نظاما لحكمها. فعلى سبيل المثال تقودنا الإجابة على السؤالين 2 و4 بنعم الى نموذج "الديموقراطية الليبرالية" Liberal Democracy بكافة تنويعاته. و"الديموقراطية الليبرالية" هي احدى صور "الديمقراطية التمثيلية"Representative democracy، التي يقوم فيها أفراد المجتمع باختيار من يمثلهم وذلك لفترة محدودة عبر انتخابات حرة ونزيهة، هذا بالإضافة الى تبنيها مبادئ المساواة امام القانون، حماية الأقليات، والدفاع عن الحريات بكافة اشكالها.

ولقد تبنت النخب المصرية هذا النموذج وحاولت زرعه في تكوين المجتمع المصري في مرحلتين من مراحل تطوره السياسي. المرحلة الليبرالية الأولى دامت 28 سنة (1924- 1952)، والمرحلة الثانية هي تلك التي نعاصرها منذ 1976. وهي المراحل التي علينا دراستها وتقييمها للتعرف على ما شابها من أوجه قصور او ما كان فيها من عناصر قوة. وسوف تقوم هذه الدراسة على امران. الأمر الأول هو ان الديموقراطية ليست غاية في حد ذاتها بل هي مجرد وسيلة من وسائل تحقيق الرفاه. "إِنَّمَا جُعِلَت الديموقراطية لِفَائِدَةِ الإِنْسَانِ، وَلَمْ يُجْعَلِ الإِنْسَانُ عَبْداً للديموقراطيةِ" والأمر الثاني هو بديهية مؤداها "أن نجاح أي نظام سياسي يتوقف على قدرته على الارتقاء بمستوى "رفاه الانسان"". ولا يقتصر مفهوم الرفاه، في هذا السياق على مكوناته المادية (أو الاقتصادية مثل مستوي الدخول وتوفر السكن الملائم، ...) فقط بل يمتد ليشمل ايضا مكوناته المعنوية (أو غير المادية مثل مستوى التعليم، قدر حرية القول وحرية الفعل المتاحة. وتبني هذه البديهية في تقييم أي نظام ديموقراطي يعني تجاوز التقييم المرتكز على الإجراءات (مثل جودة عملية الاقتراع) الى التقييم المرتكز على النتائج. فجودة الإجراءات لا تعني بالضرورة جودة النتائج. وهكذا تأخذ عملية تقييم أي نظام (نموذج) ديموقراطي الشكل التالي:

الى أي حد نجح النظام الديموقراطي الليبرالي (في مرحلتيه الأولى والثانية) في:
-;-    الارتقاء ب "الرفاه المادي" لأفراد المجتمع المصري متمثلا في "دخول وثروات" أفراد المجتمع، "الوظائف والأجور" و"السكن"؟

-;-    الارتقاء ب "جودة الحياة" لأفراد المجتمع المصري متمثلا في: "الحالة الصحية" لأفراد المجتمع، و"التوازن بين العمل والحياة الخاصة" و"التعليم والمهارات" و"الانخراط في الأنشطة المدنية" و"الصلات الاجتماعية" و"الجودة البيئية" و"الأمن الشخصي" و"الرفاه الذاتي" (السيد 2012)؟.

والاجابة التي تعززها الشواهد ليست في صالح هذا النظام بأي حال سواء في مرحلته الأولى أو مرحلته الثانية. وعلى وجه العموم فإن النظام الديموقراطي الليبرالي، الذي ظهرت اسسه في القرن التاسع عشر، قد أصبح غير مناسبا للتعامل مع مستجدات القرن الواحد والعشرين.

وتقودنا هذه النتيجة الى تساؤل مشروع هو "هل يوجد نموذج آخر للديموقراطية يهتم بالنتائج Outcomes -Oriented ولا يقصر مشاركة المواطن في العملية السياسية على وقت الانتخابات فقط؟" والاجابة هي بنعم انه نموذج "ديموقراطية التمكين التشاورية" Empowered Deliberative Democracy (Fung and Right 2001). وهو النموذج الذي تقودنا إليه الإجابة بنعم على السؤالين 1 و3. اشراك "الشعب" بطريقة مباشرة في عملية اتخاذ القرارات المتعلقة بشئونه. ويقوم هذا النموذج على ثلاثة مبادئ:
1.    التركيز على المشاكل الحياتية التي يعاني منها المواطن وتطوير بني تنفيذية تعمل على حلها،
2.    إشراك المواطنين المتأثرين بهذه المشاكل في عملية إيجاد الحلول لها وذلك بالتعاون مع الخبراء في مجال هذه المشاكل. وتعود أهمية هذا المبدأ إلى أمران. الأول هو ما يتطلبه حل المشاكل، على وجه العموم، والمشاكل الجديدة، على وجه الخصوص، من تقدير سليم لآثار المشكلة على من يعاني منها هذا بالإضافة الى خبرات متعددة وعقول متفتحة مستعدة لتقبل الجديد. والأمر الثاني هو أن إشراك المواطنين في عملية الحل يسهم في تحملهم المسئولية ويؤدي الى سرعة تنفيذه على الوجه الأمثل،
3.    التشاور (أو المداولة) كوسيلة لإيجاد الحلول. فأثناء عملية التشاور يستعرض كل مشارك رأيه والحجج الداعمة له ويستمع لآراء الآخرين وحججهم. وتكون النتيجة التوصل لرأي مشترك يشكل الأساس لفعل جماعي.

وبالطبع يقتضي تفعيل هذه المبادئ على أرض الواقع القيام بثلاثة إجراءات هي:

1.    تمكين المحليات. ان طبيعة المشكلات موضع الاهتمام (المبدأ الأول) واشراك المتأثرين بها في عملية أيجاد الحلول لها (المبدأ الثاني) يتطلبان تفويض السلطة (التنفيذية) المركزية العديد من صلاحياتها للسلطات المحلية.

2.    اشراف وتنسيق مركزيان. لا يعني منح السلطات المحلية العديد من صلاحيات السلطة المركزية استقلالها. فعمل كل سلطة محلية يمثل جزءا من كل، الكل الذي المتمثل في السياسات التي تتبناها الدولة. من تبرز أهمية دور "التنسيق" بين أنشطة السلطات المحلية الذي تلعبه السلطة (التنفيذية) المركزية. او بعبارة أخرى دور "المايسترو". وبالإضافة لهذا الدور فإن السلطة المركزية تقوم ايضا بتخصيص الموارد اللازمة لتنفيذ الأنشطة التي تقوم بها المحليات، وتعمل على حل المشاكل التي تعجز المحليات عن حلها.

3.    إعادة التأهيل: تشكل مؤسسات الدولة قوة لا غنى عنها في تفعيل نموذج "ديموقراطية التمكين التشاورية" على أرض الواقع. الا ان استخدام هذه القوة يتطلب اقناع هذه المؤسسات بجدوى المبادئ الثلاثة التي يقوم عليها هذا النموذج.

كان هذا عرضا بالغ الاقتضاب لأحد نماذج الديموقراطية "ما بعد الليبرالية". نموذج يأخذنا من "ديموقراطية النخب" الى "ديموقراطية البسطاء"، ويهبط من سماء الأفكار المجردة الى أرض المشاكل المحسوسة، ويحول الديموقراطية من فعل موسمي يمارسه المواطن البسيط مع كل اقتراع يحولها الى ممارسة يومية.
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS