- 
شهد القرن العشرون تنامي تدخل جهاز الدولة في معظم الدول الغربية وفي العديد من الدول النامية، واتخذ أغلب هذا التدخل شكل الرفاه الاجتماعي: أي محاولات الحكومة تقديم خدمات الرفاه لمواطنيها...........

الخميس, 22-يناير-2015 - 06:52:14
الاعلام التقدمي -


شهد القرن العشرون تنامي تدخل جهاز الدولة في معظم الدول الغربية وفي العديد من الدول النامية، واتخذ أغلب هذا التدخل شكل الرفاه الاجتماعي: أي محاولات الحكومة تقديم خدمات الرفاه لمواطنيها من أجل التغلب على الفقر والمرض والجهل. ولو كانت دول الحد الأدنى هي النمط السائد في القرن التاسع عشر، فقد أصبحت الدولة الحديثة خلال القرن العشرين دولة رفاه. وحدث هذا نتيجة لمجموعة متنوعة من العوامل الأيديولوجية والتاريخية، حيث سعت الحكومات مثلا لتحقيق الفاعلية على المستوى القومي وخلق قوى عاملة أكثر صحة وبناء جيوش أكثر قوة. كما تعرضت لضغوط انتخابية من أجل الاصلاح الاجتماعي من جانب العمال الصناعيين الذين نالوا حق الاقتراع حديثا، ومن جانب الفلاحين في بعض الحالات. ولم يكن الطرح السياسي للرفاه مقصورا على أيديولوجية ما، بل قدمه بطرق متفاوتة كل من الاشتراكيين والليبراليين والمحافظين والنسويات وحتى الفاشيين.

وفى داخل الأيديولوجيا الليبرالية، دافع الليبراليين المحدثون عن قضية الرفاه الاجتماعي، وذلك في فارق صاعق عن الليبراليين الكلاسكيين، الذين اشادوا بفضائل المساعدة الذاتية والمسئولية الفردية.

ويدافع الليبراليون المحدثون عن الرفاه على أساس تكافؤ الفرص، فو حدث أن هناك أفرادا أو جماعات معينة تعرضت لحرمان بسبب ظروفها الاجتماعية، تقع إذا على عاتق الدولة مسئولية اجتماعية لخفض أو إزالة ذلك الحرمان ولخلق فرص حياة متساوية أو على الأقل أكثر مساواة. وهكذا اكتسب المواطنون قدرا من حقوق الرفاه أو الحقو الاجتماعية كحق العمل وحق التعليم وحق الحصول على مسكن ملائم. وتعد حقوق الرفاه حقوقا إيجابية لأنها لا يمكن أن تلبى إلا عن طريق الأفعال الإيجابية للحكومة وحسب، من خلال تقديم معاشات من قبل الدولة ومنافع وربما خدمات صحية وتعليمية تمولها الدولة. وخلال القرن العشرين، تحولت الأحزاب والحكومات الليبرالية إلى الدفاع عن قضية الرفاه الاجتماعي.

وعلى سبيل المثال، تأسست دولة الرفاه الواسعة في المملكة المتحدة على تقرير بيفريدج (1942) الذي شرع في مهاجمة ما يسمى بالعمالقة الخمسة: الحاجة والمرض والجهل والبطالة والفساد. ووعدت بصورة قاطعة بحماية المواطنين من المهد إلى اللحد. وفى الولايات المتحدة، تبلور الرفاه الليبرالي في ثلاثينات القرن العشرين وقت إدارة فرانكلين روزفلت، ولكنه وصل إلى مستوى عال في الستينات مع سياسات “الحدود الجديدة” لجون كنيدي، وبرنامج “المجتمع العظيم” لليندون جونسون. وتطورت الليبرالية الاجتماعية بدرجة أكبر في النصف الثاني للقرن العشرين مع ظهور ما يسمى بالليبرالية الاشتراكية الديمقراطية، حاصة في كتابات جونز رولز.

وتتميز الليبرالية الاشتراكية الديمقراطية بمساندتها للمساواة الاجتماعية النسبية، التى ينظر إليها عادة باعتبارها القيم المحددة للاشتراكية. ففى كتاب نظرية العدالة قدم رولز دفاعا في إعادة التوزيع والرفاه القائمين على فكرة “المساواة كإنصاف”، وجادل بأن الناس لو كانوا غير واعين بظروفهم ومركزهم الاجتماعي فإنهم سينظرون إلى مجتمع المساواة بإعتبارة “أكثر إنصافا” من مجتمع عدم المساواة، وذلك على أساس أن الرغبة في تجنب الفقر أكبر من جاذبية الثروة. ولهذا اقترح “مبدأ الإختلاف”: أي أن عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية ينبغي أن تنظم بحيث تفيد الأكثر فقرا، ويتضمن ذلك اعترافا بالحاجة إلى وجود مقدار ما من عدم المساواة لتقديم حافز للعمل. ومع ذلك، تعد تلك نظرية للعدالة ليبرالية وليست اشتراكية لأنها تضرب بجذورها في افتراضات تتعلق بالأنانية والمصلحة الذاتية بدلا من الايمان بالتضامن الاجتماعي.

من كتاب: مدخل إلى الأيديولوجيات السياسية
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS