- عظيمات اليمن

الاثنين, 19-أغسطس-2013 - 13:32:26
مركز الاعلام التقدمي- محمد علي العروسي * -

 إسهامات النساء اليمنيات في نشر الإسلام والعلوم والثقافة
دراسة: محمد علي العروسي              
أستاذ الآثار والعمارة الإسلامية بجامعة صنعاء

مقدمـــــــــة:
يتمحور هذا البحث في إلقاء الضوء على دور اليمنيات وإسهاماتهن العظيمة في نشر الدين الإسلامي والعلوم والثقافة منذ بداية العصر الإسلامي وحتى نهاية القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي. ولن نزعم أن دراستنا المتواضعة هذه ستكون دراسة كاملة شاملة تغطي هذا الموضوع من جميع جوانبه، لكننا سنتعرض لكل جانب بما يكفل تقديم أهم المعلومات عن أبرز وأشهر النساء اليمنيات اللاتي شاركن في نشر الإسلام في بداية العصر الإسلامي من جهة واليمنيات اللاتي كان لهن دورا رائداً ومتميزاً في نشر العلوم والثقافة خلال الفترة المذكورة. آملين دفع المتخصصات والمتخصصين في مجالات البحث المختلفة إلى القيام بتنفيذ دراسات معمقة في المواضيع الثلاثة التي سنتناولها في هذه الدراسة، عن إسهامات اليمنيات في نشر : الإسلام والعلوم والثقافة.
أولا إسهامات اليمنيات في نشر الإسلام : تزخر المصادر التاريخية الإسلامية بأسماء وسير عدد كبير من الصحابيات اليمنيات المبايعات للرسول صلى الله عليه وسلم، كانت بعضهن من الحافظات وشاركت غالبيتهن في نشر الإسلام وعلومه ورواية الحديث النبوي الشريف، ومن أشهر هؤلاء الصحابيات :

* أم الدرداء هجيمة ويقال جهيمة بنت حيي الأوصابية ويقال الوصابية

أصلها من وصاب في محافظة ذمار، يذكر مؤلف كتاب طبقات الحفاظ بأنها من حمير وهي ( أم الدرداء ) الصغرى، روت الكثير من الأحاديث وكانت فقيهة ولها كلام في التفسير والزهد وماتت في الربع الأخير من القرن الأول الهجري/السابع الميلادي بعد سنة ثمانين هجرية. ويذكر مؤلف كتاب الرياض النظرة بأن هجيمة أو جهيمة تابعية عابدة عالمة فقيهة، كان الرجال يقرؤون عليها ويتفقهون في الحائط الشمالي بالجامع الأموي بمدينة دمشق، ويضيف بأن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان كان يجلس في حلقتها مع المتفقهة يتعلم الفقه مع الفقهاء الذين كانوا يتعلمون الفقه منها رضي الله عنه. حجت أم الدرداء الكبرى الوصابية الحميرية في سنة 81هـجرية ، وكان لها نصيب وافر من العلم والعمل ولها حرمة زائدة بالشام وقد خطبها معاوية بعد أبى الدرداء فامتنعت.
 
* كبشة بنت معد يكرب:
 هي عمة الأشعث بن قيس ووالدة الصحابي المعروف معاوية بن حديج وأخته الصحابية عباسة بنت حديج. روى الدار قطني نقلاً عن ولدها معاوية أنه قال قدمت على رسول الله ومعي أمي كبشة بنت معد يكرب عمة الأشعث فقالت يا رسول الله أني آليت أن أطوف بالبيت (الحرام ) حبوا فقال طوفي على رجليك سبعين سبعا عن يديك وسبعا عن رجليك (وسنده ضعيف)، استدركها بن الدباغ وغيره على الاستيعاب.

* رابطة بنت كرامة المذحجية:
من راويات الحديث الشريف : أخرج الطبراني في الكبير من طريق علي بن أبي علي عن الشعبي عن رابطة بنت كرامة قالت كنا عند النبي فقال لقوم سفر "لا يصحبنكم من هذا النعم الضوال ولا يضمن أحد منكم ضالة ولا تردون سائلا إن كنت تريدون الربح والسلامة الحديث" .

* كبشة بنت كعب بن مالك الأنصارية:
زوج عبد الله بن أبي قتادة قال بن حبان لها صحبة وتبعه المستغفري وحديثها عن أبي قتادة في سؤر الهر في الموطأ والسنن الأربعة وقال بن سعد تزوجها ثابت بن أبي قتادة فولدت له أمها صفية من أهل اليمن.

* الرباب بنت حارثة بن سنان الأنصارية:

وهي عند الواقدي الرباب بنت كعب بن عدي بن عبد الأشهل الأنصارية والدة حذيفة بن اليمان ذكرها بن سعد وابن حبيب فيمن بايع رسول الله من النساء وقال بن سعد ولدت لليمان حذيفة وسعدا وصفوان ومدلجا وليلى.

* زرعة بنت محرش:
محرش بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الراء بعدها معجمة : هي زوجة عبدالله بن عباس، كان أبوها أحد ملوك حمير الأربعة الذين كانوا أسلموا ثم ارتدوا فقتلوا على الكفر لما قاتل الصحابة أهل الردة، فتزوج عبد الله بن عباس بعد ذلك زرعة هذه فولدت له عليا والد الخلفاء وإخوته العباس والفضل ومحمد وعبد الرحمن ولبابة.

* كبشة بنت فروة بن عمرو بن فروة الأنصارية:

من بني بياضة ذكرها بن حبيب في المبايعات للنبي صلوات الله عليه. 

* كبشة بنت رافع بن عبيد بن ثعلبة بن الأبجر الأنصارية الخدرية:
عرفت باسم المنطقة التي تنسب إليها وربما تكون منطقة الخدرة في محافظة عمران، وهي والدة سعد بن معاذ عاشت حتى مات وندبته بقولها : ويل أم سعد سعدا صرامة وجدا ، ذكر ذلك بن إسحاق في قصة موت ولدها سعد رضي الله عنه قال فذكروا أن النبي قال كل نادبة تكذب إلا نادبة سعد. 

* كبشة بنت معن بن عاصم الأنصارية:

 كانت زوج أبي قيس بن الأسلت ويقال لها كبيشة قال بن جريج عن عكرمة نزلت فيها ((لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها)) أخرجه أبو موسى عن المستغفري ثم من طريق أبي ثور عن بن جريج وذكرته في الأنساب من عدة طرق.

* سلمى بنت حفصة:
هي زوج المثنى بن حارثة الشيباني الفارس المشهور في فتوح العراق تزوجها سعد بن أبي وقاص بعد موت المثنى وشهدت معه القتال في القادسية وغيرها فاتفق أنه طلع بجسده طلوع منعه من الركوب فاشتد القتال يوما فأشرفت سلمى من القصر فقالت وامثناه ولا مثنى اليوم للخيل فلطمها سعد وقال أين المثنى فقالت أغيرة وجبنا فقال سعد ما يعذرني أحد إذا لم تعذريني وأنت ترين ما بي وقد تقدم لها ذكر في ترجمة أبي محجن الثقفي لما أطلقته ثم عاد بعد أن هزم الفرس ووفى لها بما عاهدها عليه من رجوعه إلى قيده وزوجها صحابي كما تقدم في ترجمته ويحتمل ألا تكون هاجرت معه فذكرها احتمالا.

* عفراء بنت غفار الحميرية:

من الصحابيات المبايعات. قال حدثني أسلم بن مالك اليربوعي عن أبي رفاعة بن قيس قال كنت يوم وقعة سحورا مع المسلمين وكنت في خيل عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال فدرنا بالروم من كل جانب وبذلنا أسيافنا في القوم وكانوا ستة كتائب في كل كتيبة ألف فارس قال رفاعة بن قيس فوا الله لقد حملنا يوم فتح دمشق وانه ما رجع منهم فوق المائة ووجه خبر لضرار أن خولة مع النسوان المأسورات فعظم ذلك عليه وأقبل على خالد وأعلمه بذلك فقال له خالد لا تجزع فقد أسرنا منهم خلقا كثيرا وقد أسرت أنت بولص صاحبهم وسوف نخلص من اسر من حريمنا ولا بد لنا من دمشق في طلبهم ثم أمر خالد أن يسيروا بالناس على مهل حتى ننظر ما يكون من أمر حريمنا ثم أنه سار في ألف فارس جريدة وبعث العسكر كله إلى أبي عبيدة مخافة أن يلحقهم وردان بجيوشه فسار القوم وتوجه خالد بمن معه في طلب المأسورات وقد قدم أمامه رافع بن عميرة الطائي وميسرة بن مسروق العبسي وضرار بن الازور.
قال حدثني سعيد بن عمر عن سنان بن عامر اليربوعي قال سمعت حبيب بن مصعب يقول لما اقتطعوا من ذكرنا من نساء العرب سار بهم بطرس أخو بولص إلى أن نزل بهم إلى النهر الذي ذكرناه ثم قال بطرس أنا لا أبرح من هاهنا حتى انظر ما يكون من أمر أخي. ثم انه عرض عليه النساء المأسورات فلم يعجبه منهن إلا خولة بنت الازور أخت ضرار قال بطرس هذه لي وأنا لها لا يعارضني فيها أحد، فقال له أصحابه هي لك وأنت لها، قال وكل من سبق إلى واحدة يقول هي لي حتى قسموا الغنيمة على ذلك ووقفوا ينتظرون ما يكون من أمر بولص وأصحابه وكان في النساء عجائز من حمير وتبع من نسل العمالقة والتبابعة وكن قد اعتدن ركوب الخيل فقالت لهن خولة بنت الازور يا بنات حمير بقية تبع أترضين بأنفسكن علوج الروم ويكون أولادكن عبيدا لأهل الشرك فأين شجاعتكن وبراعتكن التي نتحدث بها عنكن في أحياء العرب ومحاضر الحضر ولا أراكن إلا بمعزل عن ذلك وأني أرى القتل عليكن أهون من هذه المصائب وما نزل بكم من خدمة الروم الكلاب.
فقالت عفراء بنت غفار الحميرية صدقت ووالله يا بنت الازور نحن في الشجاعة كما ذكرت وفي البراعة كما وصفت لنا المشاهد العظام والمواقف الجسام ووالله لقد اعتدنا ركوب الخيل وهجوم الليل غير أن السيف يحسن فعله في مثل هذا الوقت وإنما دهمنا العدو على حين غفلة وما نحن إلا كالغنم، فقالت خولة يا بنات التبابعة والعمالقة خذوا أعمدة الخيام وأوتاد الاطناب ونحمل بها على هؤلاء اللئام فلعل الله ينصرنا عليهم أو نستريح من معرة العرب.
فقالت عفرة بنت غفار والله ما دعوت إلا ما هو أحب إلينا مما ذكرت ثم تناولت كل واحدة عمودا من أعمدة الخيام وصحن صيحة واحدة وألقت خولة على عاتقها عمود الخيمة وسعت من ورائها عفرة وأم أبان بنت عتبة وسلمة بنت زراع ولبنى بنت حازم ومزروعة بنت عملوق وسلمة بنت النعمان ومثل هؤلاء رضي الله عنهن.
فقالت لهن خولة لا ينفك بعضكن عن بعض وكن كالحلقة الدائرة ولا تتفرقن فتملكن فيقع بكن التشتيت وحطمن رماح القوم واكسرن سيوفهن قال فهجمت خولة أمامهن فأول ما ضربت رجلا من القوم على هامته بالعمود فتجندل صريعا والتفت الروم ينظرون ما الخبر فإذا هم بالنسوة وقد أقبلن والعمد بأيديهن فصاح بطريق يا ويلكن ما هذا فقالت عفراء هذه فعالنا فلنضربن بالقوم بهذه الأعمدة ولا بد من قطع أعماركم وانصرام آجالكم يا أهل الكفر.
 قال فجاء بطرس وقال تفرقوا عن النسوة ولا تبذلوا فيهن السيوف ولا أحد منكم يقتل واحدة منهن وخذوهن أسرى ومن وقع منكم بصاحبتي فلا ينلها بمكروه فتفرق القوم عليهن وحدقوا بهن من كل جانب وراموا الوصول إليهن فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا ولم تزل النساء لا يدنوا إليهن أحد من الروم إلا ضربن قوائم فرسه فإذا تنكس عن جواده بادرت النساء بالأعمدة فيقتلنه ويأخذن سلاحه ؛ قال الواقدي ولقد بلغني أن النسوة قتلن ثلاثين فارسا من الروم فلما نظر بطرس إلى ذلك غضب غضبا شديدا وترجل وترجلت أصحابه نحو النساء والنساء يحرض بعضهن بعضا ويقلن متن كراما ولا تمتن لئاما وأظهر بطرس رأسه وتلهفه عندما نظر إلى فعلهن ونظر إلى خولة بنت الازور وهي تجول كالأسد وتقول:
     نحن بنــات تبــع وحمـــير... وضربنا في القوم ليس ينكر
     لأننا في الحرب نار تسعر... اليوم تسقون العذاب الأكــبر
قال فلما سمع بطرس ذلك من قولها ورأى حسنها وجمالها قال لها يا عربية اقصري عن فعالك فاني مكرمك بكل ما يسرك أما ترضين أن أكون أنا مولاك وأنا الذي تهابني أهل النصرانية ولي ضياع ورساتيق وأموال ومواشي ومنزلة عند الملك هرقل وجميع ما أنا فيه مردود إليك أما ترضين أن تكوني سيدة أهل دمشق فلا تقتلي نفسك.
فقالت له يا ملعون ويا ابن ألف ملعون والله لئن ظفرت بك لأقطعن رأسك، والله ما أرضى بك أن ترعى لي الإبل فكيف أرضاك أن تكون لي كفؤا قال فلما سمع كلامها حرض أصحابه على القتال وقال أترون  عارا اكبر من هذا في بلاد الشام أن النسوة غلبنكم فاتقوا غضب الملك قال فافترق القوم وحملوا حملة عظيمة وصبر النساء لهم صبر الكرام فبينما هم على ذلك إذ أقبل خالد بن الوليد رضي الله عنه ومن معه من المسلمين ونظروا إلى الغبار وبريق السيوف فقال لأصحابه من يأتيني بخبر القوم فقال رافع بن عميرة الطائي أنا آتيك به قال ثم أطلق جواده حتى أشرف على النسوة وهن يقاتلن قتال الموت، قال فرجع وأخبر خالدا بما رأى فقال خالد لا أعجب من ذلك أنهن من بنات العمالقة ونسل التبابعة وما بينهن وبين تبع إلا قرن واحد وتبع بن بكر بن حسان الذي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ظهوره وشهد له بالرسالة قبل أن يبعث وقال:
     شهدت بأحمد أنه رســـول... من الله بارىء كل النسـم
     وأمته سميت في الزبـــور... بأمــة أحمد خـــير الأمم
     فلو مد عمري إلى عصره... لكنت وزيرا له وابن عم 
قال الواقدي: قال خالد لا تعجب يا رافع واعلم أن هؤلاء النسوة لهن الحروب المذكورات والمواقف المشهورات وان يكن فعلهن ما ذكرت فلقد سدن على نساء العرب إلى آخر الأبد وأزلن عنهن العار، فتهللت وجوه الناس فرحا ووثب ضرار بن الازور عندما سمع كلام رافع، فقال خالد مهلا يا ضرار ولا تعجل فانه من تأنى نال ما تمنى، أيها الأمير لا صبر لي عن نصرة بنت أبي وأمي، فقال خالد قد قرب الفرج إنشاء الله تعال ثم أن خالدا وثب ووثب أصحابه وقال معاضر الناس إذا وصلتم إلى القوم فتفرقوا عليهم وأحدقوا بهم فعسى ان يخلص حريمنا فقالوا حبا وكرامة ثم تقدم خالد قال فبينما القوم في قتال شديد مع النسوة إذ أشرفت عليهم المواكب والكتائب والأعلام والرايات.
فصاحت خولة: يا بنات التبابعة قد جاءكم الفرج ورب الكعبة، ونظر بطرس إلى الكتائب المحمدية وقد أشرفت فخفق فؤاده وارتعدت فرائضه وأقبل القوم ينظر بعضهم بعضا قال فصاح بطرس يا معاشر النسوة أن الشفقة والرحمة قد دخلت في قلبي لان لنا أخوات وبنات وأمهات وقد وهبتكن للصليب فإذا قدم رجالكن فأخبرنهم بذلك ثم عطف يريد الهرب إذ نظر إلى فارسين قد خرجا من قلب العسكر احدهما قد تكمى في سلاحه والآخر عاري الجسد وقد أطلقا عنانهما كأنهما أسدان وكانا خالدا وضرارا.
فلما رأت خولة أخاها قالت له إلى أين يا أبن أقبل فصاح بها بطرس انطلقي إلى أخيك فقد وهبتك له ثم ولى يطلب الهرب فقالت له خولة وهي تهزأ به ليس هذا من شيم الكرام تظهر لنا المحبة والقرب ثم تظهر الساعة الجفاء والتباعد وخطت نحوه فقال قد زال عني ما كنت أجد من محبتك. فقالت له خولة لا بد لي منك على كل حال ثم أسرعت إليه وقد قصده ضرار فقال له بطرس خذ أختك عني فهي مباركة عليك وهي هدية مني إليك فقال له الأمير ضرار قد قبلت هديتك وشكرتها واني لا أجد لك على ذلك إلا سنان رمحي فخذ هذه مني إليك ثم حمل عليه ضرار وهو يقول وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ثم همهم إليه بالطعنة ووصلت إليه خولة فضربت قوائم فرسه فكبا به الجواد ووقع عدو الله إلى الأرض فأدركه ضرار قبل سقوطه وطعنه في خاصرته فأطلع السنان من الجانب الآخر فتجندل صريعا إلى الأرض فصاح به خالد لله درك يا ضرار هذه طعنة لا يخيب طاعنها، ثم حملوا في أعراض القوم وجميع المسلمين معهم فما كانت إلا جولة جائل حتى قتل من الروم ثلاثة آلاف رجل قال حامد بن عامر اليربوعي لقد عددت لضرار بن الأزور في ذلك اليوم ثلاثين قتيلا وقتلت خولة خمسة وعفراء بنت غفار الحميرية أربعة.
وقال: وانهزم بقية القوم ولم يزالوا في أدبارهم والمسلمون على أثرهم إلى أن وصلوا إلى دمشق فلم يخرج إليهم أحد بل زاد فزعهم واشتد الأمر عليهم ورجع المسلمون وجمعوا الغنائم والخيل والسلاح والأموال ثم قال خالد الحقوا بأبي عبيدة لئلا يكون وردان وجيوشه قد لحقوا به فسار ضرار والقوم وقل جعل ضرار رأس البطريق على سنان رمحه يزل القوم سائرين إلى أن لحقوا بأبي عبيدة في مرج الصفر وقد تخلف أبو عبيدة حتى اشرف المسلمون عليه فكبر وكبر خالد بن الوليد رضي الله عنه ومعه المسلمون فلما اجتمع الناس سلم بعضهم على بعض ورأوا المأسورات وقد خلصن وأخبر خالد أبا عبيدة بما فعلت خولة وعفراء وغيرهن من الصحابة فاستبشر بنصر الله وعلموا أن الشام لهم ثم دعا خالد ببولص فقال له أسلم وإلا فعلت بك كما فعلت بأخيك فقال له وما الذي صنعت بأخي قال قتلته، وهذه رأسه ورماها ضرار قدامه فلما رأى أخيه بكى وقال له لا بقاء لي بعد ه حيا فألحقوني به قال فقام إليه المسيب بن يحيى الفزاري رضي الله عنه فضرب عنقه بأمر خالد ثم رحل القوم.
قال الواقدي حدثنا سعيد بن مالك قال لما بعث خالد الكتب إلى شرحبيل بن حسنة كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم والى يزيد بن أبي سفيان والى عمرو بن العاص قرأ كل واحد من الأمراء كتابه قال فساروا بأجمعهم إلى اجنادين لعون إخوانهم وجاءوا بعددهم وعديدهم. قال سفينة مولى رسول لله صلى الله عليه وسلم كنت في خيل معاذ بن جبل فلما أشرفنا بأجمعنا على اجنادين كنا كلنا على سيارة واحدة في يوم واحد وذلك في شهر صفر سنة 20 من الهجرة وتبادر المسلمون يسلم بعضهم على بعض قال ورأينا جيوش الروم في عدد لا يحصى فلما أشرفنا عليهم أظهروا لنا زينتهم وعددهم واصطفوا مواكب وكتائب ومدوا صفوفهم فكانوا ستين صفا في كل صف ألف فارس.
قال الضحاك بن عروة والله لقد دخلنا العراق ورأينا جنود كسرى فما رأينا أكثر من جنود الروم ولا أكثر من عددهم وسلاحهم قال فنزلنا بإزائهم قال فلما كان من الغد بادرت الروم نحونا، قال الضحاك فلما رأيناهم وقد ركبوا أخذنا على أنفسنا وتأهبنا وان خالد ركب، وجعل يتخلل الصفوف ويقول اعلموا أنكم لستم ترون للروم جيشا مثل هذا اليوم فان هزمهم الله على أيديكم فما يقوم لهم بعدها قائمة أبدا فاصدقوا في الجهاد وعليكم بنصر دينكم وإياكم أن تولوا الأدبار فيعقبكم ذلك دخول النار وأقرنوا المواكب ومكنوا المضارب ولا تحملوا حتى آمركم بالحملة وأيقظوا هممكم.
قال الواقدي: ولقد بلغني ممن أثق به أن وردان لما رأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اجتمعوا وعولوا على حربهم جمع إليه الملوك والبطارقة وقال لهم يا بني الأصفر اعلموا أن الملك يعول عليكم وإذا انكسرتم لا تقوم لكم بعدها قائمة أبدا وتملك العرب بلادكم وتسبي حريمكم فعليكم بالصبر ولتكن حملتكم واحدة ولا تتفرقوا واعلموا أن كل ثلاثة منا بواحد منهم واستعينوا بالصليب ينصركم فهذا ما كان من هؤلاء.
وأما خالد رضي الله عنه فانه مشى على أصحابه وقال معاشر المسلمين من فيكم يحذر لنا القوم وينذرهم فقال ضرار بن الازور أنا أيها الأمير فقال خالد أنت لها والله ولكن يا ضرار إذا أشرفت على القوم فإياك أن تحمل نفسك ما لا تطيق وان تغرر بنفسك وتحمل على القوم فما أمرك الله بذلك فقد قال الله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة قال فأطلق ضرار عنان جواده حتى اشرف على جيش الروم فرأى أثاثهم وخيامهم وشعاع البيض والطوارق والرايات كأجنحة الطيور قال وكان وردان ينظر نحو جيش المسلمين إذ نظر إلى ضرار وهو مشرف على القوم فقال للبطارقة إني أرى فارسا قد أقبل ولست اشك انه طليعة للقوم فأيكم يأتيني به.
فانتدب من القوم ثلاثين فارسا طلبوا ضرارا فلما نظر إليهم ضرار ولى من بين أيديهم فتبعوه وظنوا انه قد انهزم وإنما أراد بذلك أن يبعدهم عن أصحابهم، فلما بعدوا علم انه تمكن منهم فلوا رأس جواده إليهم وصوب السنان عليهم فأول ما طعن فارسا من القوم أرداه وثنى على الآخر فأعدمه الحياة وصال فيهم صولة الأسد على الغنم ودخل رعبه في قلوبهم فولوا منهزمين فتبعهم وهو يصرع منهم فارسا عد فارس إلى أن صرع منهم تسعة عشر فارسا، فلما رأوا ذلك وقرب هو من جيوش الروم لوا راجعا إلى خالد ومعه أسلابهم وخيولهم وأعلمه بما كان فقال له خالد ألم اقل لك لا تغرر بنفسك ولا تحمل عليهم، فقال إن القوم طلبوني فخفت أن يراني الله منهزما فجاهدت بإخلاص ولا جرم أن الله ينصرنا عليهم والله لولا خوفي من ملامك لأحملن على الجميع واعلم أن القوم غنيمة لنا قال فرتب خالد عسكره ميمنة وميسرة وقلبا وجناحين فجعل في القلب معاذ بن جبل وفي الميمنة عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وفي الميسرة سعيد بن عامر وفي الجناح الأيسر شرحبيل بن حسنة وفي الساقة يزيد بن أبي سفيان في أربعة آلاف فارس حول الحريم والبنات والأولاد ثم التفت إلى النسوة وهن عفراء بنت غفار الحميرية وأم أبان ابنة عتبه وكانت عروسا قد تزوج بها في هذا اليوم أبان بن سعيد ابن العاص والخضاب في يدها والعطر في رأسها وخولة بنت الازور ومزروعة بنت عملوق وسلمة بنت زارع وغيرهن من النسوة ممن عرفن الشجاعة والبراعة نصيحة خالد.
 فقال لهن خالد يا بنات العمالقة وبقية التبابعة قد فعلتن فعلا أرضيتن به الله تعالى والمسلمين وقد بقي لكن الذكر الجميل وهذه أبواب الجنة قد فتحت لكن وأبواب النار قد أغلقت عنكن وفتحت لأعدائكن واعلمن إني أثق بكن فان حملت طائفة من الروم عليكن فقاتلن عن أنفسكن وان رأيتن أحدا من المسلمين قد ولى هاربا فدونكن وإياه بالأعمدة وارمين بولده وقلن له أين تولى عن أهلك ومالك وولدك وحريمك فإنكن ترضين بذلك الله تعالى.
فقالت عفراء بنت غفار الحميرية أيها الأمير والله لا يفرحنا إلا أن نموت أمامك فلنضربن وجوه الروم ولنقاتل إلى أن لا تبقى لنا عين تطرف والله ما نبالي إذا رمينا الروم كله قال فجزاهن خيرا، ثم عاد إلى الصفوف فجعل يطوف بينهم بفرسه ويحرض الناس على القتال وهو ينادي برفيع صوته يا معاشر المسلمين انصروا الله ينصركم وقاتلوا في سبيل الله واحتسبوا نفوسكم في سبيل الله ولا تحملوا حتى آمركم بالحملة ولتكن السهام إذا خرجت من اكباد القسى كأنها من قوس واحدة فاذا تلاصقت السهام رشقا كالجراد لم يخل أن يكون منها سهم صائب واصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون واعلموا أنكم لم تلقوا بعد هذا عدوا مثله وان هذه الفئة جملتهم وأبطالهم وملوكهم فجردوا السيوف وأوتروا القسى وفوقوا السهام ثم ان خالدا أقبل ووقف في القلب مع عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر قيس بن هبيرة ورافع بن عميرة وذى الكلاع الحميري وربيعة بن عامر ونظائرهم.
قال فلما نظر ودان إلى جيش المسلمين قد زحف زحفوا وكانوا ملء تلك الأرض في الطول والعرض من كثرتهم فترامى الجمعان وتلاقى الفريقان وقد اظهر أعداء الله الصلبان والأعلام ورفع المسلمون أصواتهم بالتهليل والتكبير والصلاة والسلام على البشير النذير   فلما قرب القوم بعضهم من بعض خرج من علوج الروم شيخ كبير وعليه قلنسوة سوداء فلما قرب من المسلمين نادى بلسان عربي أيكم المقدم فليخاطبني وليخرج إلي وعليه أمان قال فخرج اليه خالد بن الوليد فقال له القس أنت أمير القوم فقال خالد كذلك يزعمون ما دمت على طاعة الله وسنة رسوله وان أنا غيرت أو بدلت فلا إمارة لي عليهم ولا طاعة قال القس بهذا نصرتم علينا وكتب الله النصر للمسلمين.

* شراف بنت خليفة الكلبي:
صحابية جليلة هي أخت الصحابي الجليل دحية بن خليفة الكلبي. أخرج الطبراني وأبو نعيم عنه من طريق جابر الجعفي عن بن أبي مليكة قال خطب رسول الله امرأة من بني كلب فبعث عائشة تنظر إليها فذهبت ثم رجعت فقالت: ما رأيت طائلا فقال لها رسول الله أقد رأيت خالا عندها اقشعرت كل شعرة منك، فقالت ما دونك سر، أورده أبو موسى في الذيل في ترجمة شراف وقال قيل إن رسول الله تزوجها ولم يدخل بها، وبذلك جزم بن عبد البر، قلت وقد ورد التصريح بذكرها عند بن سعد عن هشام بن الكلبي عن شرقي بن القطامي قال لما هلكت خولة بنت الهذيل تزوج رسول الله شراف بنت خليفة أخت دحية ولم يدخل بها ثم أخرج أثر عائشة المذكور عن محمد بن عمر عن الثوري عن جابر الجعفي به.

* ظبية بنت وهب:
من بني عك أسلمت وماتت بالمدينة قاله هشام بن الكلبي وقال أبو أحمد العسكري هي أم أبي موسى الأشعري قلت الذي قاله العسكري صرح به بن الكلبي أيضا في أول نسب الأشعريين في الجمهرة لما ذكر أبو موسى الأشعري وبذلك جزم الواقدي.

* عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى:
أمها أم كرز بنت الحضرمي، أسلمت وبايعت وهاجرت فتزوجها عبد الله بن أبي بكر وجعل لها بعض أراضيه على ألا تتزوج بعده، فلما توفي بعث إليها عمر وقال إنك قد حرمت على ما أحل الله لك فردي المال وتزوجي فتزوجها عمر فأرسلت إليها عائشة أن ردي أرضنا، أنبأنا الحسن بن محمد البارع قال أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة قال أخبرنا أبو المخلص قال حدثنا أحمد بن سليمان بن داود الطوسي قال حدثنا الزبير بن بكار حدثنا محمد بن الضحاك الحزامي عن أبيه وأحمد بن عبيد الله عن عبد الله بن عاصم المنذر يزيد أحدهما على صاحبه قال: تزوج عبدالله بن أبي بكر الصديق عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل وكانت حسناء ذات بارع فشغلته عن مغازيه فأمره أبوه بطلاقها وقال إنها قد شغلتك عن مغازيك فقال:
     يقولون طلقهـــا وخيم مكانهـا... مقيما عليها الهم أحــــلام نائـم 
     وإن فراقي أهل بيت جمعتهم... على كره مني لإحدى العظائم 
ثم طلقها فمر به أبوه وهو يقول:
      لم أر مثلي طلق العـتام مثلهـــا... ولا مثلها في غير جرم يطلـق
      لها خلق جزل ورأي ومنصب... وخلق سوي في الحياة مصدق
فرق له أبوه وأمره بمراجعتها، وكان قد جعل لها طائفة من ماله على أن لا تنكح بعده، ثم شهد مع رسول الله غزاة فأصابه سهم يوم الطائف فمات منه، فكانت زوجته عاتكة تبكيه:  
     رزيت بخير الناس بعد نبيهم... وبعد أبي بكر وما كان قصــرا 
     وآليت لا تنفك عيني حزينـة... عليك ولا ينفك جلدي أغـــــبرا 
     فلله عينا من رأى مثلـه فتى... أكر وأحمى في الهياج وأصبرا
 وبعد وفاة أبو بكر وتولي عمر مكانه، وأرسل الخليفة عمر إلى عاتكة: إنك قد حرمت على نفسك ما أحل الله لك فردي المال إلى أهله وانكحي، ففعلت فخطبها عمر فنكحها، فجاء ربيعة بن أمية يستأذن على عمر وهو عروس بها فقال اللهم لا تنعم به عينا فأذن له فدخل فجعل ينظر إلى جلة القرط على بابه أخبرنا يزيد بن هارون أخبرني يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الله بن عبد الله أن عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل امرأة عمر بن الخطاب وأنها قبلته وهو صائم فلم ينهها أخبرنا معن بن عيسى حدثنا مالك عن يحيى بن سعيد أن عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل امرأة عمر بن الخطاب كانت تقبل رأس عمر وهو صائم فلم ينهها أخبرنا محمد بن عمر حدثنا معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن عاتكة بنت زيد امرأة عمر كانت تستأذنه إلى المسجد فكان عمر يقول لها إذا استأذنته إلى المسجد قد عرفت هواي في الجلوس فتقول لا أدع استئذانك وكان عمر لا يحبسها إذا استأذنته فلقد طعن عمر وهي في المسجد.
* زينب بنت أبي الحسن عباد بن سرحان المعافري:
من أهل شاطبة روت عن أبيها وأجاز لها وكانت دينة فاضلة كثيرة الأوراد صوامة قوامة تسرد الصوم وتوفيت في حدود الثمانين وخمسمائة.

ومن اليمنيات الصحابيات المبايعات: بريدة بنت بشر، وعميرة بنت سهل بن رافع الأنصارية، وعميرة بنت ظهير بن رافع، وعميرة بنت ثابت بن النعمان، فهؤلاء صحابيات من المبايعات.

* أنيسة النخعية:
 ذكرت قدوم معاذ بن جبل عليهم اليمن رسولا لرسول الله، قالت قال لنا معاذ أنا رسول رسول الله إليكم صلوا خمسا وصوموا شهر رمضان وحجوا البيت لمن استطاع إليه سبيلا، قالت وهو يومئذ بن ثمان عشرة سنة، كذا ذكرها أبو عمر قال بن الأثير في قدر عمره نظر، فإن إرساله كان سنة تسع ولزم أن يكون أسلم وهو بن تسع وليس كذلك وإنما بايع وهو رجل قلت الصواب بن ثمان وعشرين سنة وقد ورد في سن معاذ من وجه آخر.

* تهناة بنت كليب:
هي تهناة بنت الشاعر كليب بن أسد بن كليب الحضرمي ، قال أخبرنا هشام بن محمد قال حدثني عمرو بن مهاجر الكندي قال كانت امرأة من حضرموت ثم من تنعة يقال لها تهناة بنت كليب صنعت لرسول الله كسوة، ثم دعت ابنها كليب بن أسد بن كليب فقالت انطلق بهذه الكسوة إلى النبي فأتاه بها وأسلم، فدعا له رسول الله. فقال رجل من ولده يعرض بناس من قومه لقد مسح الرسول أبا أبينا ولم يمسح وجوه بني بحير شبابهم وشيبهم سواء فهم في اللؤم أسنان الحمير وقال كليب حين أتى النبي:
     من دين مرهوب يهوى في عذافرة... أكيد يا خـير من يحفى وينتعل
     تجوب بي صفصفا غبرا مناهلـــه... تزداد عفوا إذا ما كلت الإبــل
     شهرين أعملهــا نصا على وجـــل... أرجو بذاك ثواب الله يا رجـل
     أنت النبي الذي كنا نخـــــــــــبره... وبشرتنا بك التوراة والرســـل
 قال أخبرنا هشام بن محمد أخبرنا سعيد وحجر ابنا عبد الجبار بن وائل بن حجر الحضرمي عن علقمة بن وائل قال : وفد وائل بن حجر بن سعد الحضرمي على النبي فمسح وجهه ودعا له.

ثانياً: دور اليمنيات في نشر العلوم المختلفة:
العلم في الإسلام من الأمور التي فرضها الله على المسلمين والمسلمات، قال رسول اللـه صلى الله عليه وسلم "العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة"، لذلك أقبل المسلمون والمسلمات الأوائل على طلب العلم،  فظهرت منذ بدايـة القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي منشآت تعليمية مستقلة عن المساجد، تخصصت تلك المنشآت في تدريس علوم القرآن الكريم والحديث الشريف والفقه وقواعد اللغة العربيـة وآدابها وغيرها من العلوم المختلفة، ثـم ظهرت بعد ذلك مؤسسات تعليمية بمسميات مختلفة لعل أهمها بيت الحكمة التي أنشأها الخليفة العباسى المأمون (198­218هـ/813­833م) في مدينة السلام بغداد سنة 215هـ/830م، وتزامن مع ظهـور هذه المراكز التعليمة ظهور عددا من المساجد التي تخصصت إلى جانب وظيفتها الدينية في تدريس العلوم الشرعيــة والفقهيـة.
ولم يؤثر ظهور هذه المؤسسات التعليميـة الجديدة على دور المسجد الذي أستمر في تأدية وظيفته كمنشأة تعليميـة إلي جانب وظيفته الأساسيـة كمنشأة دينيـة هذه الرسالـة الدينيـة والتعليمية التي انطلقت من المسجد النبوي الشريف بالمدينـة المنورة والمسجد الحرام بمكـة المكرمـة ظهرت في غالبيـة المساجد التي تم إنشائها بعد ذلك في مختلف مناطق العالم الإسلامي، وأصبحت بعض هذه المساجد من أشهر الجامعات الإسلاميـة نذكر منها على سبيل المثال: الأزهر الشريف بالقاهرة، وجامع الأشاعر في مدينـة زبيـد وغيرها، كما زاد الإقبال على طلب العلـم من المسلمين والمسلمات في الكثير من المساجد الأخرى، خصوصاً المساجد التي تم إنشائها في عهد الرسول  صلى اللـه عليه وسلم كالجامع الكبير بصنعاء وجامع الجَنَـدْ بالقرب من مدينة تعـز، وما تزال الأروقـة وقاعات الصلاة في هذه المساجد عامرة حتى اليوم بحلقات الدرس ومجالس العلم التي بدأت قبل أربعة عشر قرناً من الزمان، تعلـم ودرْسَ فيها مشاهير وكبار العلماء والفقهاء  ففي جامع عمرو بن العاص بالفسطاط كان الإمام الشافعي يرأس حلقـة علم كل صباح حتى تاريخ وفاته في سنـة 205هـ/820م.
لعبت المساجد منذ إنشائها دوراً هاماً في نشر التعليم وتوافدت أعداد كبيرة من الطلاب من مناطق مختلفـة لطلب العلم في تلك ثم ظهرت المدرسـة بعد ذلك كمنشأة معماريـة وطراز معماري جديـد في العمارة الإسلاميـة، فوفرت المدرسة لطلابها العلم ووفرت للغرباء منهم العلم والسكن.
كانت المرأة اليمنية حاضرة بقوة في كل هذه المنشآت التعليمية منذ بداية العصر الإسلامي، ففي غالبية مساجد النساء في العالم الإسلامي بصورة عامة وفي اليمن بوجه خاص، كانت النساء تعقد حلقات الدرس ومجالس العلم، وتعلمت الكثير منهن القراءة والكتابة وحفظن كتاب الله الكريم. وقامت الكثير منهن ببناء المساجد والمدارس والكتاتيب وأربطة العلم ودور الضيافة، وأنفقن بسخاء على العلماء والفقهاء والمشائخ وطلبة العلم ومؤسسات التعليم المختلفة، وعلى اقتناء الكتب ونسخها. 

الأميرات اليمنيات ودورهن في نشر العلم :
لعبت الأميرات اليمنيات دورا هاما في الحياة السياسية والدينية والعلمية والثقافية في اليمن، وكان لها دورا بارزا في نشر العلم والثقافة ؛ والحقيقة أن مساهمة الأميرات اليمنيات منذ عصور مبكرة في بناء المساجد والمعلامات ومدارس العلوم الإسلامية والاهتمام بالعلماء والمدرسين وطلبة العلم والإنفاق عليهم يعد واحدا من أبرز مظاهر المشاركة الرائدة للأميرات اليمنيات بشكل خاص وللمرأة اليمنية بشكل عام في نشر العلم وتطوير الحياة العلمية والثقافية في اليمن.
في عصر الدولة الرسولية ساهمت عدد كبير من الأميرات مساهمة هامة في إنشاء الكثير من المساجد ومدارس العلوم الإسلامية والأسبلة وأربطة العلم والخانقات في عدد من مناطق اليمن المختلفة وخاصة في بعض قرى ومدن تهامة في محافظة الحديدة وفي محافظات تعز وإب وعدن، وقد أوقفت هذه الأميرات على تلك المنشآت أوقافاً جليلة، كما أنفقت على العلماء والفقهاء والمدرسين والمعيدين وطلبة العلم بسخاء.
ويكفي أن نشير هنا إلى أن المدارس التي أنشأتها الأميرات اليمنيات في عصر الدولة الرسولية في القرنين السابع والثمن الهجريين/الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين تفوق من حيث العدد المدارس التي ابتناها ملوك وأمراء الدولة الرسولية، وقد بـلغ عدد المدارس التي أنشأتها الأميرات الرسوليات أربعـة وثلاثون مدرسة، فيما لم يتجاوز عدد المدارس التي أنشأها الملوك العشرين مدرسة أما المدارس التي أنشأها الأمراء فعددها لم يتجاوز الخمسة عشر مدرسة فقط.
في هذا البحث سنتناول بإيجاز أشهر أميرات اليمن في العصر الرسولي وأبرز إسهاماتهن ومشاركاتهن في نشر العلوم المختلفة في العديد من المناطق اليمنية، من خلال قيامها ببناء المساجد والمدارس والإنفاق على طلبة العلم والعلماء والمدرسين، والأوقاف الجليلة التي أوقفتها على هذه المنشآت الدينية والتعليمية. وسنذكر أهم المعلومات التي وردت في المصادر التاريخية عن هذه الأميرات وآثارها المعمارية والخيرية والمدارس والمساجد التي أنشأتها، وإعطاء أهم المعلومات عن شخصية وحياة كل أميرة من الأميرات اللاتي شيدنَ هذه المدارس، وأسماء تلك المنشآت ومواقع إنشائها، وتخصصات ووظائف وتاريخ  كل منشأة، والدور العلمي الذي لعبته في العصور التاريخية المختلفة، وأسماء وتاريخ وسيرة أقدم وأشهر مدرسيها وطلابها، وذلك وفقاً للمعلومات التي نحصل عليها من مختلف المصادر والوثائق التاريخية والمراجع المتوفرة التي ذكرتها أو ورد فيها ذكر أولئك العلماء والفقهاء الذين درسوا فيها أو تخرجوا منها، سواءً المنشآت العامرة أو المندثرة التي اختفت مبانيها وصارت مواقعها غير معروفة في وقتنا الحاضر. وسنقدم وصفاً موجزاً للتخطيط المعماري العام للمدارس التي لا تزال عـامرة حتى اليـوم.

* الأميرة لؤلؤة:
الأميرة لؤلؤة هي زوجة الأمير علي بن رسول وأم الملك المنصور عمر بن علي بن رسول. أنشأت المدرسة العومانيـة في قرية عومان في مديرية جبلة بمحافظة إب، وتعد مدرسة عومان أقدم المدارس التي أنشأتها أميرة يمنية، ويرجع تاريخ بناء هذه المدرسة إلى النصف الأول من القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي ؛ وتعتبر الأميرة لْؤلؤة ببنائها مدرسة عومان أول أميرة يمنية تشيد مدرسة للعلوم الإسلامية في اليمـن. بنيت هذه المدرسة بجوار قصر عومان الذي كان يقع في الجهة الشمالية الغربية من مدينة جبلة.

* الأميرة حبيبة:
هي الأميرة حبيبة بنت الأمير بدر الدين الحسن بن علي بن رسول : أنشأت هذه الأميرة مدرسة المعين في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي، وتقع مدرسة المعين في  عزلة الأسلاف الواقعة في الجهة الغربية من مدينة جبلة بمحافظة إب.

* الأميرة زهراء:
هي الأميرة زهراء ابنة بدر الدين الحسن بن علي بن رسول أخو الملك المنصور عمر مؤسس الدولة الرسولية. شيدت الأميرة زهراء مدرسة الجبالي في قرية الجبالي إحدى قرى مديرية جبلة بمحافظة إب، في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي.

* أم الملك المظفر:
 هي أم الملك المظفر يوسف بن عمر بن علي بن رسول ثاني ملوك الدولة الرسولية، ومن آثاره المعمارية مدرستين:
أنشأت المدرسة الأولى وعرفت باسم مدرسة أم السلطان في مدينة تعــز والمدرسة الثانية وتعرف باسم المدرسة السيفية الكبرى ابتنتها في مدينة زبيد. يرجع تاريخ بناء هاتين المدرستين إلى القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي.

* الدار الشمسي:
الأميرة الدار الشمسي هي ابنة الملك المنصور عمر بن علي بن رسول أول ملوك الدولة الرسولية وشقيقة ابنه الملك المظفر يوسف، أنشأت هذه الأميرة مدرستين هما : المدرسة الشمسية في مدينة زبيد، وخصصتها لتعليم القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، والمدرسة الثانية كانت تعرف كذلك باسم المدرسة الشمسية، وقد أنشأتها بجوار جامع الملك المظفر يوسف بن عمر في مدينة تعز. وقد خصصت هذه المدرسة لتدريس المذهب الشافعي وتعليم القرآن الكريم. يرجع تاريخ بناء هاتين المدرستين إلى القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي. توفيت الأميرة الدار الشمسي في سنة 695هـ/1287م.

* الأميرة دار الأسد:

 الأميرة دار الأسد هي إحدى زوجات الملك المظفر يوسف بن عمر بن علي بن رسول، وقد سميت بدار الأسد نسبة إلى والدها الأمير أسد الدين محمد بن الحسن بن علي بن رسول . أنشأت هذه الأميرة مدرسة دار الأسد في حي المغربة بمدينة تعز في النصف الثاني من القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي. عرفت هذه المدرسة باسم المدرسة الأسدية نسبة إلى مؤسستها توفيت، الأميرة دار الأسد سنة 704هـ /1296م.

* الأميرة مريم بنت العفيف:
 الأميرة مريم بنت الشيخ العفيف هي إحدى زوجات الملك المظفر يوسف بن عمر بن رسول ، أنشأت في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي ثلاث مدارس هي : المدرسة العفيفية  في مدينة زبيد ، وقد عرفت هذه المدرسة كذلك باسم السابقية ومدرسة مريم وتعرف حالياً بمسجد العافية، والمدرسة الثانية وكانت تعرف باسم المدرسة الجديدة، في مدينة تعز في الحي الذي كان يعرف باسم حافة الحميراء، أما المدرسة الثالثة فتعرف باسم مدرسة مريم أو مدرسة ذي عقيب وقد أنشأتها في قرية ذي عقيب إحدى قرى عزلة وراف في مديرية جبلة. توفيت الأميرة مريم في مدينة جبلة سنة 713هـ/1305م، ودفنت في مدرستها في ذي عٌقيب.

* الأميرة جهـة دينار:

 الأميرة جهة دينار ابنة الأمير محمد بن علي بن رسول، إحدى زوجات الملك المظفر يوسف، وأم ابنه الملك المؤيد. أنشأت هذه الأميرة مدرسة مـدية (بضم الميم )، وتقع المدرسة في قرية مِـدية في عزلة وادي ضُبا بمديرية ذي السفال في محافظة إب أمام قصر هذه الأميرة الذي كان قائماً في قرية مدية. كما أنشأت على يمين مدخل هذه المدرسة معلامة (كُـتاب)، لتعليم الأيتام القرآن الكريم والقراءة والكتابة. ويرجع تاريخ بناء هذه المدرسة إلى القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي.

* الأميرة دار الدملوة:

هي الأميرة جهة دار الدملوة نبيلة ابنة الملك المظفر يوسف بن عمر بن علي بن رسول، ومن آثارها المعمارية أنها أنشأت الأميرة ثلاث مدارس : المدرسة الأشرفية في مدينة زبيد، وقد خصصتها لتدريس الفقه والقران الكريم، ومدرسة دار الدملوة في مدينة تعز، والمدرسة الأشرفية في مدينة ظفار الحبوظي (ظفار عمان حالياً). يرجع تاريخ بناء هذه المدارس الثلاث إلى نهاية القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي.  توفيت الأميرة جهة دار الدملوة في سنة 718هـ/1317م.

* الأميرة مـاء السماء:
الأميرة جهة ماء السماء هي ابنة الملك المظفر يوسف بن عمر بن علي بن رسول ، أنشأت المدرسة الواثقيـة في مدينة زبيـد. توفيت الأميرة جهة ماء السماء بزبيد سنة 724هـ/1315 م ودفنت بمدينة التريبة بمديرية زبيد بمحافظة الحديدة.
تميزت مدارس الأميرات بتخطيطاتها المعمارية التي لا تختلف كثيرا عن المدارس الأخرى ولكنها تميزت عن تلك المدارس بجمال عمارتها وإثراء قاعات الصلاة وقاعات الدرس فيها بالعناصر الزخرفية الملونة الرائعة وخاصة سقوفها ومناطق المحاريب التي تتوسط جدار القبلة فيها ، و نستعرض في هذه الدراسة  التاريخية المعمارية المدارس التي أنشأتها الأميرات في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي والتي لا تزال قائمة وعامرة حتى وقتنا الحاضر. ومن أهم هذه المدارس العامرة ثلاث مدارس أنشأتها في مدينة جبلـة

* الأميرة الدار النجمي:
تعرف باسم الأميرة النجمية أو الدار النجمي ابنة علي بن رسول، هي أخت الملك المنصور شمس الدين عمر بن علي بن رسول مؤسس الدولة الرسولية وأول ملوكها ( 626-646/1229-1249م).كانت الأميرة الدار النجمي من الأميرات الرسوليات المشهورات بالصلاح وكانت حريصة على فعل الخير، ويذكر الجندي بأنه لما بنى ابن أخيها أبو بكر بن الحسن بن علي بن رسول مطاهر جامع السيدة في جبلة شق عليها وقالت : لو علمت لم يسبقني إليه.
وللدار النجمي من المآثر الدينية في مدينة جبلة المدرسة النجمية والمدرسة الشهابية والمدرسة الشرفية ومسجد الدار وابتنت كذلك أماكن للطهارة والوضوء في مسجد عراف في مدينـة جبلة، وأوقفت أموالا جليلة على هذه المنشآت الدينية، وكان لريع هذه الأموال الفضل في بقاء هذه المنِشآت عامرة حتى اليوم. ولوصيفتها زات المدرسة الزاتية التي ابتنتها في مدينة جبلة؛ تعد هذه المدرسة من حيث البناء والزخرفة من أجمل المدارس الرسولية التي لا تزال عامرة حتى اليوم في محافظة إب.
كما قام فاخر خادم الأميرة الدار النجمي ببناء المدرسة الفاخرية التي لا تزال عامرة حتى اليوم بمدينة ذي السفال بمحافظة إب. وفي قرية البرحة بعزلة النقيلين بمديرية السياني بمحافظة إب كذلك ابتنى حاشية الدار النجمي مدرسة البرحة. توفيت  الأميرة الدار النجمي في مدينـة جبلة، في تاريخ غير معروف، وتم دفنها في المدرسة الشرفية.
أولاُ: المدرسة الشرفيـة: المدرسة الشرفية واحدة من مدارس الأميرات الرسوليات التي لا تزال عامرة في مدينة جبلة حتى اليوم، كما أن مكوناتها المعمارية وعناصرها الزخرفية الملونة لا تزال في حال جيدة. تقع المدرسة الشرفية في مدينة جبلة، في الحي المعروف باسم رأس المدينة. أنشأتها ( في منتصف القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي) الأميرة الرسولية الدار النجمي أخت الملك المنصور عمر بن علي بن رسول مؤسس الدولة الرسولية، وسمتها المدرسة الشرفية تخليدا لذكرى أخيها الأمير شرف الدين موسى بن علي بن رسول المتوفى بمصر. ويذكر المؤرخ الجندي بأن الأميرة الدار النجمي ألحقت بهذه المدرسة مسجداً صغيرا أنشأته عند مدخلها، وكان يدرس فيه صحيحي البخاري ومسلم، ولا يزال هذا المسجد عامرا حتى عصرنا هذا. تزوجت هذه الأميرة بالأمير نجم الدين بن أبي بكر بن زكريا أحد أمراْء الأكراد الذين قدموا إلى اليمن، ولقبت باسم الدار النجمي أو النجمية نسبة إلى زوجها نجم الدين.
الوصف المعمـاري: التخطيط المعماري للمدرسة الشرفية عبارة عن بناء مستطيل الشكل يتكون من قاعة للصلاة وإلى الشرق منها قاعة الدرس الشرقية يقابلهما في الجهة الجنوبية رواق المدرسة وقاعة الدرس الجنوبية، وهذه القاعات والرواق تطل وتفتح جميعها على فناء مكشوف يتوسطهما، وفي الجزء الجنوبي الغربي من هذا الفناء توجد قاعة الدرس الغربية التي تطل عليه بواسطة عقد يفتح في واجهتها الشرقية.
وقد ألحقت بالمدرسة بركة وأماكن للوضوء والطهارة، تقع في الجهة الجنوبية الغربية للمدرسة. يتم الدخول إلى المدرسة عن طريق مدخلين : المدخل الشرقي ويفتح في جدارها الشرقي ، أما المدخل الرئيس للمدرسة فهو المدخل الجنوبي ويفتح في الواجهة الجنوبية للمدرسة . تولى التدريس في المدرسة الشرفية عدد كبير من العلماء والفقهاء، منهم الفقيه عبد الرحمن بن يحي بن سالم بن سليمان الشهابي الذي يعد أول من تولى التدريس فيها، كان الشهابي آنذاك من الفقهاء المشهورين وقد آلت إليه رئاسة الفتوى والفقه في مدينة جبلة وما حولها، وقد تم اختياره للتدريس في المدرسة الشرفية لأنه كان أكبر الفقهاء. توفي الفقيه عبد الرحمن سنة 688هـ/1280م ، وخلفه في التدريس فيها ابنه الفقيه محمد بن عبد الرحمن واستمر يدرس في الشرفية حتى تاريخ وفاته سنة 710هـ/1302م.
ومن أوائل الفقهاء الذين تولوا التدريس في هذه المدرسة الفقيه يحي بن عثمان بن فضل ( مولده سنة 617هـ/1212م)، ويذكر المؤرخ الجندي بأن الفقيه يحي بن عثمان بن فضل نزل من بلده إلى مدينة جبلة فدرس بالمدرسة الشرفية، توفي هذا الفقيه في مدينة جبلة سنة 678هـ/1271م.  وتولى التدريس في هذه المدرسة الفقيه أبو عبدالله محمد بن ينال (توفي سنة 691هـ/1282م) ، والفقيه أحمد بن أبي بكر بن عمر المعروف بالأحنف (مولده سنة 641هـ/1235م) درس في المدرسة الشرفية ثم درس في المدرسة المؤيدية في مدينة تعز فترة من الزمن ثم عاد بعد ذلك إلى مدينة جبلة واستقر فيها إلى أن توفي سنة 717هـ/1309م.
ثانياً: المدرسة النجمية: تقع المدرسة النجمية في الجزء الجنوبي الشرقي من مدينة جبلة ، وهي واحدة من المدارس الرسولية التي لا تزال عامرة حتى اليوم، أنشأتها الأميرة الرسولية الدار النجمي، أخت الملك عمر بن علي بن رسول مؤسس الدولة الرسولية، في النصف الأول من القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي. وهذه الأميرة هي مؤسسة المدرستين الشرفية والشهابية ومسجد الدار في مدينةجبلة. كانت المدرسة النجمية في الأصل دارا أشترته الأميرة الدار النجمي من صاحبه علي بن محمد المعلم وحولته إلى مدرسة.
الوصف المعماري: التخطيط المعماري العام لهذه المدرسة عبارة عن بناء مستطيل الشكل يضم قاعة للصلاة ورواقا يفتحان في الجهة الجنوبية على فناء مكشوف يتم الوصول منه إلى بركة المدرسة وأماكن الوضوء في الجزء الجنوبي الشرقي من واجهة الفناء الشرقية. لكل من قاعة الصلاة والرواق سقف مسطح. يقع مدخل المدرسة في واجهتها الغربية.
الأهمية العلمية للمدرسة النجمية : أنشئت هذه المدرسة لتدريس العلوم الإسلامية كالفقه والنحو واللغة وعلم القراءات وغيرها وتولى التدريس فيها عدد كبير من الفقهاء أقدمهم وأشهرهم : الفقيه النحوي علي بن أبي السعود بن الحسن وهوا أول من درس في هذه المدرسة، وكان فقيهاً نحوياً ولغوياً معروفاً، استدعاه الملك المظفر يوسف بن عمر (منتصف القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي) إلى مدينة تعز لتدريس ابنه الملك الأشرف النحو ؛ كما تولى التدريس في هذه المدرسة عدد آخر من العلماء والفقهاء المشهورين في عصور مختلفة.
ثالثاً: المدرسة الشهابية: تقع المدرسة الشهابية في مدينة جبلة بمحافظة إب، أنشأتها الأميرة النجمية أخت الملك المنصور عمر بن علي بن رسول في النصف الثاني من القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي. أنشأت الأميرة النجمية هذه المدرسة وأطلقت عليها اسم المدرسة الشهابية نسبة إلى أخيها الأمير شهاب الدين محمد بن علي بن رسول. ويذكر المؤرخ بهاء الدين الجندي بأن هذه المدرسة هي التي كان القضاة يتولونها، وكان كلما عين قاضي على جبلة سكن في المدرسة الشهابية واستولى على ريع أوقافها ومن هؤلاء القضاة الوزير القاضي شهاب الدين احمد بن عمر بن معيبد الذي قام بترميمها  في سنة 742هـ/ 1333م، وأطلق عليها اسم الوزيرية نسبة إليه.
الوصـف المعماري للمدرسة الشهابية : التخطيط المعماري للمدرسة عبارة عن بناء من الحجر مستطيل الشكل يتكون من قاعة للصلاة وقاعة للدرس وفناء مكشوف وأماكن للطهارة والوضوء.يتم الدخول إلى المدرسة عن طريق مدخل يفتح في الجزء الغربي من الواجهة الشمالية للمدرسة.

* الأميرة ابنة شرف الدين محمد بن الحسن بن علي بن رسول:
كانت هذه الأميرة محبة للعلم ولفعل ل الخير، ومن مآثرها الدينية والعلمية بناء مدرسـة للعلوم الإسلامية في قرية ضراس السفلى، إحدى قرى عزلة نخلان بمديرية السياني بمحافظة إب. تقع قرية ضراس على بعد 52 كم تقريبا شمال شرق مدينة تعز. أنشأت هذه المدرسة الأميرة الرسوليـة ابنة شرف الدين محمد بن الحسن بن علي بن رسول سنة 677هـ/1279م، وقد ورد ذكر تاريخ بناء المدرسة واسم هذه الأميرة التي ابتنتها في احد النقوش الكتابية المدونة على قطع وألواح من الحجر التي تزدان بها الواجهات الخارجية لبيت الصلاة. احد هذه النقـوش الكتابية يعلو المدخـل الشرقي لبيت الصلاة، وهذا النـقش الكتابي منفـذ بخط النسـخ ويتكون من سطرين: ورد في السطر الأول : (( بسم الله الرحمن الرحيم أمرت بعمارة هذه المدرسة المباركة السعيدة)). وفي السطر الثاني :  ((السر الرفيع والمقام العالي المنيع والدة مولانا صلاح الدين ابنة مولانا شرف الدين محمد بن علي بن رسول أجزل الله ثوابها)). واستكملت هذه العبارة على قطعة حجرية أخرى تقع بالقرب من اللوح السابق في نفس الواجهة حيث نقشت عليه : (( وجعل الجنة مآبها )). وأسفل هذا اللوح الحجري نجد تكملة النص: (( بفضل محمد وآله بتاريخ الثاني عشر من ربيع آخر سنة سبع وسبعون وستماية هجرية وصلى الله على النبي وآله)) مدونة على أربع ألواح حجرية تكتنف عتبة مدخل بيت الصلاة، من الجانبين.  كما يوجد نقش كتابي آخر ورد فيه ذكر اسم العمار الذي قام بتنفيذ عمارة وزخرفة هذه المدرسة ونصه " عمارة سعد الساده عمر بن عبدا لله النجار".
الوصف المعماري العام : التخطيط المعماري العام لمدرسة ضراس عبارة عن بناء مستطيل الشكل يتكون من بيت للصلاة وفناء مكشوف وقاعات للدرس وقبة ضريحية ومعلامة لتحفيظ القرآن الكريم وتعليم الأطفال القراءة والكتابة وبركة وأماكن للوضوء. يتم الدخول إلى هذه المدرسة عن طريق مدخل يفتح في واجهتها الشرقية.

* الأميرة مريم:
هي الأميرة مريم بنت الشيخ العفيف، إحدى زوجات الملك المظفر يوسف بن عمر بن رسول ثاني ملوك الدولة الرسولية  اشتهرت الأميرة مريم بحب العلم وتقدير العلماء وإكرامهم، ومن آثارها المعمارية بناء المدرسة العفيفية في مدينة زبيد ؛ تقـع المدرسة العفيفية في حافة المندوب، إحدى حافات حي ربع الجزع، أحد أحياء مدينة زبيد. تعرف هذه المدرسة حاليا لدى سكان مدينة زبيد باسم مسجد العافية، ربما تصحيف لاسم العفيفية، الذي كانت تعرف به، كما كانت هذه المدرسة تعرف كذلك باسم مدرسة مريم ومن الأسماء التي عرفت بها أيضا اسم المدرسة السابقية، وسميت بالمدرسة العفيفية نسبة إلى الشيخ العفيف والد مؤسسة المدرسة، ويرجع تاريخ بنائها إلى النصف الثاني من القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي.
وإلى جانب هذه المدرسة أنشأت هذه الأميرة مدرسة ثانية عرفت باسم المدرسة الجديدة وكانت تقع في الحي الذي كان يعرف باسم حافة الحميراء في مدينة تعز، وابتنت الأميرة مريم مدرسة ثالثة في قرية ذي عقيب بمديرية جبلة بمحافظة إب ؛ وأوقفت على كل مدرسة من المدارس التي أنشأتها الكثير من الأراضي الزراعية التي ساعدت هذه المنشآت على الاستمرار في أداء وظيفتها منذ مئات السنين. توفيت الأميرة مريم في مدينة جبلة سنة 713هـ/1305م، ودفنت في مدرستها في قرية ذي عٌقيب.
التخطيط المعماري: المدرسة عبارة عن بناء من الآجر مستطيل الشكل تخطيطه المعماري العام يتكون من قاعـة للصلاة (المقدم) ورواق (المؤخر ) يتوسطهما فناء مكشوف (الشماسي)، يتم الدخول إلى المدرسة بواسطة مدخل يفتح في واجهتها الشرقية.

* الأميرة جهة دينار:
هي الأميرة جهة دينار ابنة الأمير محمد بن علي بن رسول وإحدى زوجات الملك المظفر يوسف بن عمر بن علي بن رسول، وأم ابنه الملك المؤيد داوود بن يوسف. يذكر المؤرخون بأنه كان لهذه الأميرة قصراً ابتنته في قرية مدية في رأس وادي ضُبا بمديرية ذي السفال بمحافظة إب. قد أنشأت أمام هذ القصر مدرسة مدية التي لا تزال عامرة حتى اليوم؛ ويرجع تاريخ بناء هذه المدرسة إلى القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي، أنشأتها، وقد ألحقت بهذه المدرسة كـُتاب (معلامة) لتعليم الأطفال القرآن الكريم والقراءة والكتابة، ويقع مبنى هذا الكتاب على يمين مدخل المدرسة.
الوصف المعماري: تخطيط المدرسة عبارة عن بناء من الحجر الأحمر اللون مستطيل الشكل يتكون من قاعة للصلاة مستطيلة الشكل وفناء وبركة مستطيلة تلي المدخل الشرقي للمدرسة وتطل عليها من الجهة الغربية ثلاثة أماكن للطهارة والوضوء.

ومن العالمات اليمنيات المشهورات في العصر الإسلامي:
* صفية بنت المرتضى بن المفضل:
الشريفة العالمة الفاضلة صفية بنت المرتضى بن المفضل كانت عالمة فاضلة لها مؤلفات، وتزوجت السيد محمد بن يحيى القاسمى لأنه كان عالما محققا في علم الكلام فرغبت فيه لقصورها في ذلك الفن فانتفعت به وانتفع بها في علم العربية. ماتت الشريفة صفية في سنة إحدى وسبعين وسبعمائة هجرية/1376م رحمها الله تعالى .

* دهماء بنت يحيى بن المرتضى:

 أخت الإمام المهدى أحمد بن يحيى. كانت عالمة فاضلة أخذت العلم عن أخيها وقرأت عليه، ولها مصنفات منها شرح للأزهار في أربعة مجلدات، وشرح لمنظومة الكوفي في الفقه والفرائض، وشرح لمختصر المنتهى، وكانت تدرس طلبة العلم بمدينة ثلا حتى ماتت هنالك، وقبرها مشهور بداخل ضريح تغطيه قبة قبة. تزوجها السيد محمد بن أبي الفضائل وأولدها ولدا سمى إدريس ابن محمد. كانت أيضاً أديبة وشاعرة، ولها قصيدة في مدح كتاب أخيها الأزهار، الذي ألفه وهو في السجن تقول فيها:
     يا كتابا فيه شفاء النفـوس... أنتجته أفكار من في الحبوس
     أنت للعلم في الحقيقة نور... وضيــاء وبهجــة كالشموس

* مؤنسة الصلاحي:
هي مؤنسة بنت الأمير العماد علي بن الفارس بن عبد الله بن الناصري الصلاحي الفخري. سَمِعَتْ من ابن علاق وعمرت وهي والدة نجم الدين عبد الله بن علي الصنهاجي، كانت عالمة في الحديث، توفيت في اليوم الرابع من شهر رجب سنة 732/1363م.

* نفيسة الحميرية:
هي نفيسة بنت محمد بن تمام بن يحيى بن عباس الحميرية أم علي سمعت من خالد النابلسي سباعيات القاسم ابن عساكر وحدثت سمع منها البرزالي وغيره وماتت في 23 جمادى الأولى سنة 719/1323م بمدينة دمشق.
هاجر بنت علي بن عمر بن شبل الصنهاجية الحميرية : كانت من النساء الأديبات التي بلغن شهرة عالية، وكانت تلقب بقرة العيون وهي أخت عبد الله وعائشة سمعت على العز الحراني.

* جويرية الهكاري:

جويرية بنت أحمد بن أحمد بن الحسين بن بن موسى الهكاري، ويقال لها الهكارية أم ألهنا، ولدت في رابع رمضان سنة 704/1308م، وسمعت من أبي الحسن ابن الصواف مسموعة من النسائي ومسند الحميدي ومن علي بن عيسى بن القيم ما عنده من مستخرج الإسماعيلي وجزء سفيان وسمعت أيضا من النور الثعلبي البعث لابن أبي داود وغيره ومن الشريف موسى صحيح مسلم ومن ابن الشحنة وست الوزراء صحيح البخاري ومن الحسن بن عمر الكردي مسندى عبد و الدارمي والأربعين.

* أسماء الهكاري:
هي أسماء بنت أحمد بن احمد بن الحسين بن موسى الهكاري، وهي أخت جويرية، ولدت سنة 715هـ/1319م، كانت واسعة العلم ، ولها مجلسا في فضل رمضان، وحدثت بالقاهرة وسمع منها أبو حامد ابن ظهيرة بعد سنة سبعين وسبعمائة هجرية. وآل الهكاري من فقهاء زبيد، وتعد المدرسة الهكارية في مدينة زبيد من المدارس التي لا تزال قائمة وعامرة بالمصلين حتى اليوم.

* عائشة بنت على بن عمر بن شبل الصنهاجى الحميرى:

عالمة في الحديث أسمعها أبوها من ابن علاق والنجيب وغيرهما وحدثت بالكثير، حدثنا عنها بالسماع أبو المعالي الأزهري وغيره، وماتت بمصر في مستهل ربيع الأول سنة 739/1344م.
 
الشاعـــرات اليمنيات
أم السعد بنت عصام بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن يحيى الحميري:
من أهل قرطبة وتعرف بسعدونة لها رواية عن أبيها وجدها وخاليها أبي القاسم عامر وأبي عيسى أبي بكر ابني أبي الوليد هشام بن عبد الله بن هشام الازدي وكانت، أديبة شاعرة ووقفت على خطها بالإجازة وساقها قول بعض الأدباء الغرناطيين بصفة نعل رسول الله من أبيات آخرها:
     سألثم التمثال إذا لـــم أجــــد... للثم نعل المصطفى من سبيل
 فزادت عليها بقولها:
     لعلني أحظى بتقبيلـــه فــي... جنــة الفردوس أسنى مقيــــلِ
     في ظل طوبى ساكنا آمنـــا... أسقى بأكواس من السلسبيـــل
     وأمسح القلـــب به علــــــه... يسكن ما جاش به من غليــــل
     فطالما استسقى بأطلال من... يهواه أهل الحب من كل جيـل
توفيت أم السعد بمالقة في سنة أربعين وستمائة هجرية/1244م أو نحوه.

* مريم بنت أبي يعقوب الأنصاري:
   سكنت مدينة إشبيلية في بلاد الأندلس، ذكرها ابن دحية في المطرب وقال إنها أديبة وشاعرة جزلة مشهورة، وكانت تعلم النساء الأدب وتحتشم لدينها وفضلها، وعُمرت عمرا طويلا، سكنت مدينة إشبيلية واشتهرت بها في بداية القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي. وذكرها الحميدي وأنشد لها جوابها لما بعث المهدي إليها بدنانير
وكتب إليها قائلاً:
     مالي بشكر الذي أوليت من قبـــل... لوأنني حزت نطق اللسن في الحــــلل
     يا فذة الظرف في هذا الزمان ويا... وحيدة العصر في الإخلاص في العمل
     أشبهت مريما العــذراء في ورع... وفقت خنســـاء في الأشعـار والمثـــــل
وقد ردت عليه بالجواب وقالت:
     من ذا يجاريك في قول وفي عمل... وقد بدرت إلى فضــل ولم تســل
     مالي بشكر الذي نظمت في عنقي... من أللآلي وما أوليــت من قبـــل 
      حليتني بحلي أصبحت زاهية بها... على كل أنثى مـــن حلى عطــــل 
     لله أخلاقـــك الغـــر التي سقيــت... ماء الفرات فرقت رقــة الغـــزل
     أشبهت مروان من غارت بدائعه... وأنجدت وغـدت من أحسن المثـل 
     من كان والده العضب المهند لـم... يلد من النسل غير البيض والأسـل 
ومن شعرها وقد بلغت من العمر عتيا:
     وما يرتجى من بنت سبعين حجــــة... وسبع كنسج العنكبوت المهلهل
     تدب دبيب الطفل تسعى إلى العصا... وتمشي بها مشي الأسير المكبل

* نزهة الوهبية:
 جارية الكاتب أبي عبد الله محمد بن وهب الحميري كاتب الوزير أبي محمد عبد الله بن محمد بن مسلمة. كانت نزهة إحدى عجائب القيان بالأندلس حذقا وطبعا وحسنا وظرفا تنشد الأشعار وتورد الحكايات والأخبار وتذكر أيام العرب وتشارك في حفظ الأمثال والنسب حتى كأنها من قيان المشرق المتقدمات، ذكر ذلك أبو عامر والد الوزير أبي محمد بن مسلمة المذكور في تأليفه المعروف بحديقة الارتياح في وصف حقيقة الراح.

* خديجة بنت أحمد بن كلثوم المعافري: 
من رُصفة (بضم الراء): كورة على ساحل البحر بإفريقية كذا ضبطه من خط حسن بن رشيق في الأنموذج وبها خدوج قال وهذا لقب لها واسمها خديجة بنت أحمد بن كلثوم   المعافري. وصفه المؤرخون بأنها شاعرة حاذقة.

الخاتمــــــــة:
ساهمت المرأة اليمنية في نشر الدين الإسلامي منذ بداية العصر الإسلامي سواء داخل  اليمـن أو في مناطق العالم الإسلامي المختلفة : منها البلدان والشعوب التي فتحها الله على المسلمين في مصر والعراق وبلاد الشام وشمال إفريقيا وبلاد الأندلس بلاد فارس والهند وغيرها، ولم يقتصر الدور الذي لعبته اليمنيات السنوات الأولى من الدعوة إلى الإسلام على مبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم والهجرة وتعليم القرآن الكريم والصلاة ورواية الحديث، بل كان لعدد منهن مشاركة رائدة في معارك عدة، وسبق ذكر ما قامت به النساء اليمنيات وعلى رأسهن الصحابية عفراء الحميرية والصحابية خولة بنت الأزور، كما كانت بعض اليمنيات صحابيات وأمهات وزوجات وأخوات صحابة مشهورين، وتزوج الرسول صلى الله عليه وسلم من شراف بنت خليفة الكلبي وهي إمرأة يمنية وقيل بأنه تزوجها ولم يدخل بها.
وفي مجالات العلوم والثقافة ساهمت المرأة اليمنية في نشر العلوم المختلفة منذ القرون الهجرية الأولى وتجلت هذه المساهمة في قيام العديد من اليمنيات ببناء الكثير من المنشآت الدينية والتعليمية كالمساجد ومدارس العلوم الإسلاميـة والمعلامات وأربطة العلم، وتزامن ظهور هذه المنشآت في اليمن مع ظهورها في بقيـة مناطق العالم الإسلامي، وكان لعدد كبير من اليمنيات السبق في إنشاء العديد من المساجد والمعلامات أو الكتاتيب والإنفاق عليها وعلى حلقات الدرس التي كانت تعقد في المساجد اليمنية منذ بداية العصر الإسلامي.
وتبرز أعظم مشاركة وإسهامات اليمنيات في نشر العلوم الإسلامية المختلفة في عصر الدولة الرسولية من الربع الثاني من القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي وحتى منتصف القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي، فكانت الأميرات الرسوليات الأكثر مشاركة، حيث شيدت الكثير منهن منشآت تعليمية ودينية في مناطق مختلفة من اليمن منها المدارس المتخصصة : مدارس المذهب الحنفي ومدارس المذهب الشافعي، ومدارس للفقه والنحو والأدب وغيرها، وقدمت المنح المالية السخية للكثير من فقهاء وعلماء وطلبة تلك المساجد والمدارس، كما أوقفت على هذه المنشآت التعليمة أراض ومزارع وضياع وعقارات ينفق ريعها على ترميم وتجديد وتأثيثها وتشغيلها والأنفاق على مدرسيها وطلابها والعاملين فيها.
وبفضل هذه الأوقاف الجليلة تمكنت الكثير من هذه المنشآت العلمية من الاستمرار في أداء وظيفتها حتى يومنا هذا. وبرزت الكثير من النساء اليمنيات في مجالات العلوم والأدب، وكان من بينهن عالمات جليلات صاحبات مؤلفات هامة، وشاعرات مبدعات ذاع صيتهن في الأفاق، وتصدرت الحميريات من قبيلة صنهاجة في بلاد المغرب العربي قائمة العالمات اليمنيات في المغرب وقرطبة وإشبيلية في الحديث والفقه ومختلف العلوم ومجالات الفن والأدب.
تميزت المنشآت الدينية والتعليمية التي أنشأتها اليمنيات بنشر ثقافة التسامح وعلمت النشء لغة الحوار وقبول الآخر مهما أختلف جنسه ولونه وثقافته، وتخرج من هذه المساجد والمدارس أجيال لم يعرف العنف والتطرف والغلو طريقاً إليها، وكان ذلك سبباً هاماً من أسباب تطور وازدهار الحياة الاجتماعية والثقافية، ودافعاً قوياً لحماية الهوية الوطنية والثقافية والحفاظ عليها في العصور الزمنية المختلفة.
في نهاية هذا البحث لابد من القول بأن الباحثات والباحثين اليمنيين وخاصة المتخصصين في مجالات الدراسات الإسلامية والأدب والآثار والتاريخ وعلم الاجتماع والعلوم السياسية في عصرنا الحديث لم يولوا عنايتهم واهتماماتهم الدور الريادي الهام الذي لعبته المرأة اليمنية على مر العصور بدأً ببناء اليمن وفي صنع حضارة يمنية أصيلة يزيد عمرها على الخمسة آلاف عام، هذه الحضارة العريقة التي صُنفت في العصر الحديث كواحدة من أعظم حضارات العالم القديم.
فالعالم قديماً وحديثاً يعرف ملكـة سبا التي حكمت اليمن وغالبية مناطق القرن الإفريقي (إثيوبيا وجيبوتي وإريتريا والصومال حالياً) في القرن العاشر قبل الميلاد أي قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة ، ولقد ورد ذكر حكمة وحنكة هذه الملكة ومهاراتها وقدراتها السياسية وملكها العظيم في الكتب السماوية وفي جميع الكتب المقدسة لدى مختلف الشعوب والأمم القديمة والحديثة.
وتذكر مؤلفات أقدم العلماء والمؤرخين من كل أقطار الأرض بأن ملكة سبا هي أعظم ملكة عرفها التاريخ الإنساني ؛ وفي العصر الإسلامي (نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس الهجري/الحادي عشر الثاني عشر الميلادي) تُعد الملكة اليمنية سيدة بنت أحمد الصليحي أشهر ملكة عرفتها الحضارة العربية الإسلامية.
إننا ندعو في ختام هذا البحث المتواضع علمائنا وباحثينا ومثقفينا من الجنسين إلى دراسة تاريخ المرأة اليمنية وإسهاماتها العظيمة في الحياة العلمية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ودورها في الحفاظ على هويتنا الوطنية وحمايتها عبر العصور التاريخية المختلفة، وتعريف أبنائنا وبناتنا بالإنجازات العظيمة التي حققتها النساء اليمنيات في الماضي، بهدف تحفيز بناتنا في الوقت الحاضر ودفعهن إلى الاستفادة من ماضي وتراث يمنيات صنعنا التاريخ، لإسهامات أعظم وأكبر في العصر الحديث بالعلم واكتساب المعارف والعلوم التقنية والتكنولوجية الحديثة وخوض غمار المشاركة مع إخوانهن في شتى مجالات الحياة بغية صنع حاضر مزدهر ينعم به جيلنا وبناء مستقبل مشرق زاخر بالعطاء تفخر به أجيالنا القادمة.


أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS
التعليقات
akeel alsaffar (ضيف)
01-12-2012
يجب التاني في قول رضي الله عنه مثلا معاوية بن خديج قتل محمد بن ابي بكر وان محمد بن الاشعث قاتل مسلم بن عقيل عليه السلام ومن الذين حاربوا الامام الحسيسن عليه السلام