آخر الأخبار
 - صوت الآخر في اليمن: معوّقات التعبير في زمن الصراع

الاثنين, 08-مارس-2021 - 08:20:02
الإعلام التقدمي - عبدالله بخاش -
تلخص هذه المقالة نتائج دراسة أكاديمية موسّعة، أعمل عليها حاليا، عن التعبير عن الرأي في ظل الاستقطابات السياسية في اليمن خلال فترة الصراع الراهن. تستند الدراسة إلى نتائج مسح ميداني لعينة من الجمهور العام بلغت (438) مبحوثاً، جرى اختيارها بطريقة عينة الكرة الثلجية، وشملت الدراسة خمس محافظات يمنية، هي: أمانة العاصمة، عدن، مأرب، الحديدة، حضرموت. وتم البحث خلال الفترة (6 أبريل-18 مايو) 2018. جرى استطلاع آراء المبحوثين في الدراسة عن مدى رغبتهم في إبداء آرائهم في ثلاث قضايا خلافية تتعلق بالأزمة اليمنية، وهي: دور التحالف العربي في اليمن، شرعية الرئيس هادي، الدعوة لفك ارتباط المحافظات الجنوبية عن دولة الوحدة اليمنية. ومدى تأثرها بإكراهات الراهن المُشْكل.

الإطار النظري للدراسة
تمثل علانية التعبير عن الرأي محور التحدي في واحدة من أهم نظريات الرأي العام، وهي نظرية دوامة الصمت، للألمانية اليزابيث نويل نيومان، التي تفترض أن المجتمع يهدد الأفراد المخالفين للإجماع بالعزلة؛ مما يدفع الأفراد لتحاشي الافصاح عن آرائهم المخالفة لرأي الأغلبية؛ ويقود ذلك إلى عملية لولبية تنتهي بهيمنة رأي وخفوت أخرى. بالمقابل، يحقق الاتصال عبر وساطة الانترنت فرصاً فريدة للتعبير عن الرأي تتحدى ديناميكية اشتغال دوامة الصمت. فالمستخدم يتحرر كثيراً من التسلسلات الهرمية الاجتماعية وعلاقات الهيمنة والسيطرة الموجودة في الأنماط الاتصالية التقليدية. وبذلك فالتعبير بوساطة الانترنت يسمح بتكافؤ فرص الوصول إلى المجال العام، والمشاركة في نقاش القضايا المختلفة.


نتائج الدراسة: خمس عوائق تقف أمام التعبير عن الرأي في اليمن

خلصت الدراسة إلى وجود خمس مثبطات أساسية تقف أمام التعبير عن الرأي في اليمن بخصوص القضايا الثلاث المشار إليها آنفا. وبصورة عامة، ترتبط تلك المثبطات أو العوائق بشبكة من العلاقات التي تصل الشخص الراغب في التعبير بآخرين يقفون في مواجهة ذات الشخص المعبر، وبالوسيط الذي يجري من خلاله التعبير، وكذلك بالبيئة الاجتماعية والسياسية لذلك الشخص. ويمكن تلخيص تلك المعوقات في النقاط الآتية:

تأثير العدائية المتوقعة من الآخر
يفضل الناس عادة تجنب الخوض في نقاش مع من يحملون وجهات نظر مغايرة لهم في كثير من القضايا الخلافية، رغبة في تحقيق الأمن النفسي للذات. والعدائية المتوقعة Expected Hostility تعبر عن حالة ابتزاز نفسي للآخر تنطوي على فعل عدواني. ووفقاً لمبادئ كامدن Camden لحرية التعبير فإن العدائية، هي: “كل فعلٍ مبنٍ على مشاعر متطرفة من الكراهية والمقت والبغض والازدراء تجاه أفراد أو مجموعات محددة”. ويأخذ ذلك أشكالاً ثلاثة من السلوك العدواني وهي: العدوان المادي كالاعتداء البدني على الآخرين أو ممتلكاتهم، والعدوان اللفظي مثل الشتم والتشويه ووصم الآخرين بما يكرهون، والعدوان الرمزي وهو التصرف بشكلٍ معبرٍ عن احتقار الآخر وانتقاصه والسخرية منه.

في بيئة الاتصال اليمنية، تظهر نتائج الدراسة ارتفاع توقعات المبحوثين بعدائية الآخر في تعاطيه مع الآراء المخالفة له بشأن قضايا الأزمة اليمنية، بغض النظر عن طبيعة قنوات الاتصال تقليدية كانت أم افتراضية، وهو ما يؤكد سعى المجتمع لتحقيق وظيفة الضبط الاجتماعي بتهديد الأصوات المخالفة بالعزلة. واللافت أن نسبة العدائية المتوقعة لدى المبحوثين عبر شبكات التواصل الاجتماعي (53.4%) تفوق نظيرتها في قنوات الاتصال التقليدي (48.9%). تؤكد دراسة مالاسبينا أن المحادثات عبر الإنترنت تميل إلى أن تكون سلبية، وبالتالي، يمكن القول إنها معادية لمشاركة الآراء الشخصية. تحيلنا هذه النتيجة المثيرة إلى الإشارة الى دور التنمر الرقمي في تدعيم خوف المستخدم، مدفوعاً بالقلق من رقابة الآخر ورصده لما ينشر، ومن التعرض لأذية كتائب الذباب الإلكتروني. وفي أحيانٍ، تحتدم المعارك الافتراضية إثر منشور أو تعليق معارض لاتجاه معين، فيحدث حالةً من التداعي السريع لأنصار طرف ما لقمع الرأي المخالف، وممارسة أعمال البلطجة الإلكترونية لإفساد النقاش العام، والتشهير بالمنشور وكاتبه، في صورة تحقق إرهاباً للمتابعين.

يمكن أن نلمس أيضاً في زيادة نسبة العدائية المتوقعة في الفضاء الافتراضي انعكاساً لواقع حرية التعبير باليمن في زمن الصراع. إذ تغذي عمليات الاستقطاب السياسي والشحن الطائفي والاغتيال المعنوي النزعات العدائية في مواجهة الآخر المخالف، وهو استهداف خطير لقيم التعايش والسلم الأهلي في المجتمع. من ناحية أخرى، فإن ارتفاع العدائية المتوقعة في قنوات الاتصال الافتراضي يمكن النظر إليه من زاوية البعد السوسيولوجي لعملية الاتصال، فسلوك المستخدمين في الفضاء الافتراضي وتفاعلهم مع الآخر المخالف هو امتداد في الأصل لطبيعة التفاعلات الاجتماعية في الواقع. لأن فكرة الحوار وتقبل الاختلاف تنطلق بالأساس من مؤسسات التنشئة الاجتماعية: الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والمجتمع، وتحتاج لأدوات أكثر تأثيراً من منصات التواصل الاجتماعي في غرسها وتعزيزها قيمياً.

تأثير الخوف من العزلة
يتشكل قلق الفرد في الموقف الاتصالي من خوفه من التعرض للنقد، أو من نظرة الآخرين له وتقييماتهم السلبية لآرائه، كما يخشى أيضاً من تعرضه للإساءة والايذاء والنبذ الاجتماعي. وتفضي حالة الشعور بالخوف إلى ممارسة الفرد رقابة ذاتية، فيتحاشى الإفصاح عن الرأي ويتجنب خوض المناقشات.

وتظهر النتائج ارتفاع مخاوف المبحوثين من العزلة وقلقهم من التقييمات السلبية في اتصالاتهم المباشرة وعبر القنوات الافتراضية. وبالرغم من نجاعة البيئة الاتصالية الجديدة في تخفيض الشعور بالخوف من العزلة، إلا أن ذلك لم يكن حافزاً كافياً لتشجيع المبحوثين على إبداء آرائهم في نقاشات الفضاء الافتراضي. فقط (47%) من المبحوثين أبدوا استعدادهم لكتابة تعليق على منشور مخالف لهم، و(36%) قبلوا مشاركة منشور مؤيد لآرائهم على صفحاتهم الشخصية، فيما أكد (34%) موافقتهم على المشاركة في حملة الكترونية بشأن قضايا الأزمة اليمنية.

وتبين النتائج أن خيارات المبحوثين الأعلى خوفاً كانت تتجه نحو التزام الحياد أو استبعاد ابداء الرأي. كما أن تجاهل التفاعل مع منشورات مؤيدة لوجهة النظر التي يتبناها المبحوث نحو قضايا الأزمة اليمنية يعتمد إلى حدٍ كبير على ارتفاع مخاوف المبحوث وخشيته من التعرض للعزلة الاجتماعية. تتفق هذه النتيجة مع دراسة مركز بيو الأمريكي التي وجدت أن المبحوثين كانوا أقل رغبة للحديث عن قضية سنودن Snowden على شبكات التواصل الاجتماعي قياساً بالاتصالات الشخصية[7]. ويرى بالكر Palekar وزملاءه أن مستخدمي فضاءات التعبير الافتراضية يصبحون أقل مشاركةً وأقل رأياً وصوتاً مع زيادة الوعي بردع العوامل الاجتماعية والتنظيمية.

تأثير شبكة الاتصال في تحفيز الرقابة الذاتية
من جانب آخر، تؤثر شبكة الاتصال للمستخدم المتكونة في إطار مواقع الشبكات الاجتماعية على الانترنت في طبيعة تفاعلاته مع المحتوى المنشور. وأرجع جيرهارت وزانج Gearhart & Zhang ذلك إلى أن شبكة المستخدمين على منصات التواصل الاجتماعي متشكلة في الأساس من شبكة اتصالاتهم في بيئتهم الاجتماعية. إذ تلعب التصورات المسبقة عن الآخرين وردود أفعالهم المتوقعة دوراً مهماً في التأثير في سلوكهم الاتصالي وقراراتهم بشأن ما سيعبرون عنه؛ لأن الأفراد يميلون أيضاً إلى حماية الوئام الاجتماعي حتى في بيئة التواصل الاجتماعي. وغالباً تحفز الرقابة الاجتماعية المستخدم على مطابقة الاتجاه الغالب كاستراتيجية عند رغبته مشاركة محتوى معين.

تكشف النتائج عن ممارسة المبحوثين الرقابة الذاتية على شبكات التواصل الاجتماعي (34.7%) منهم بدرجة مرتفعة و(56.2%) بدرجة متوسطة و(9.1%) بدرجة منخفضة. ومن خلال مقياس الخوف المستخدم، يلاحظ على سبيل المثال تأكيد ما نسبته 62.6 بالمائة من المبحوثين حرصهم على قراءة التعليقات على المنشور أو التغريدة أولاً قبل إبداء الرأي في قضايا الأزمة اليمنية. وكذلك أيضاً يبدي ما نسبته (53%) من المبحوثين رغبتهم في تجنب استخدام منصات التواصل الاجتماعي للحديث في قضايا الأزمة اليمنية. وتعكس هذه البيانات ممارسة المبحوثين قدراً من الرقابة الذاتية، إذ يراعون أولاً معرفة اتجاه مناخ الرأي الالكتروني قبل مباشرة كتابة التعليق. ومن ناحية أخرى، يفضلون الاكتفاء بتصفح المنشورات عن قضايا الأزمة اليمنية على منصات التواصل الاجتماعي دون مشاركة آرائهم، خصوصاً في وقت الأزمات والحروب حيث تزداد حدة الاستقطابات السياسية.


يمكن قراءة ارتفاع الرقابة الذاتية للمبحوثين في بيئة الاتصال اليمنية على أنها كيمياء نفسية، تنتمي زمنياً ومكانياً إلى ظروف قاهرة للأمن والاستقرار النفسي في المجتمع، بسبب الحالة التصارعية التي تعيشها اليمن. فارتفاع قلق المبحوثين وخوفهم هو ما يدفعهم لإحاطة أنفسهم بطوقٍ من الرقابة الذاتية في سلوكهم الاتصالي، ويمكن التماس بعض التبريرات لذلك في ضوء تحول بيئة الاتصال في اليمن إلى فضاء آخر لإعادة تصدير الصراعات السياسية إلى الجمهور وتسميم المجال العام.

تأثير مناخ الرأي الالكتروني في التعبير عن الرأي
رغم التعددية والحرية التي يتسم بها الفضاء العام الالكتروني، إلا أن الأبحاث العلمية تشير إلى أن ملاحظة الرأي العام الإلكتروني تعمل كمحدد للإفصاح عن الرأي على شبكات التواصل الاجتماعي. يعتقد ما نسبته (58.9%) من المبحوثين في اليمن أن اتجاهاتهم نحو قضايا الأزمة اليمنية تتطابق مع اتجاه أغلب أصدقائهم ومتابعيهم على الشبكات الاجتماعية، فيما يرى ما نسبته (41.1%) من المبحوثين أنها تتعارض مع اتجاهاتهم. يجد دوبوا وسزوارك Dubois & Szwarc (2018) أن المبحوثين يتجنبون التحدث علانية عندما يلاحظون أن آرائهم تختلف عن اتجاه الرأي السائد سواءً في شبكتهم على الإنترنت أو الرأي العام. ويبرر نيوبوم وكرامر Neubaum & Kramer (2016)] ميل الأفراد إلى التعبير عن رأي مخالف في بيئة غير متصلة بالإنترنت أكثر مما يفعلون على الفيس بوك، بسهولة تطبيق العقوبات السلبية ضد المخالفين على منصات التواصل الاجتماعي.

تأثير قلق التقديم الذاتي في الإفصاح عن الرأي
عامل آخر يؤثر في الرغبة في الإفصاح عن الرأي على وسائل التواصل الاجتماعي هو قلق التقديم الذاتي. ويشير إلى أن كمية المعلومات وطبيعتها التي ينقلها الناس عن أنفسهم للآخرين هي دالة على شغفهم لتكوين الانطباعات المرغوبة عنهم. وطالما أن مواقع شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت تمثل إحدى المنصات الرئيسة للتعبير عن الذات، فإن المعلومات المنشورة على الشبكات الاجتماعية تشكل جزءًا من الهوية الرقمية للمستخدمين. وقد كشفت دراسة ليو Liu وزملائه (2017) عن وجود علاقة بين عرض الذات على الفيس بوك والتعبير عن الآراء السياسية. ووجدت أن كل شيء يعتمد على الغرض من تقديم الذات وطابعها الذي تتخذه، فإذا كان المستخدم يميل إلى عرض الذات بهدف تكوين صورة عامة إيجابية على المدى الطويل، فسيعبر عن رأيه بشكل أكثر فعالية. وإن كان تقديم ذاته وقائياً ويهدف إلى تجنب النقد، فسيتجنب التحدث في ظل تنوع كبير في الرأي. فيما ووجدت دراسة ريو Rui وآخرون (2020) أن مراعاة مستخدمي الفيس بوك للاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية زادت من قلق التقديم الذاتي للمشاركة بآرائهم السياسية عبر الإنترنت في القضايا المثيرة للجدل.
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
RSS


جميع حقوق النشر محفوظة 2021 لـ(مركز الإعلام التقدمي)